بعد ستة أشهر على إطلاق العملة السورية الجديدة، وبعد سلسلة من قرارات رفع العقوبات الدولية وزيارات بعثات صندوق النقد الدولي إلى دمشق، يبدو سعر صرف الليرة قد دخل مرحلة من التقلبات أمام الدولار، ومع نهاية حزيران/ يونيو 2026، سجّل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في النشرة الرسمية لمصرف سوريا المركزي 12,200 ليرة قديمة، بينما تراوح في السوق الموازية بين 13,300 و13,500 ليرة قديمة للشراء والبيع في دمشق وحلب، ويُلاحظ أن الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي لا تزال واسعة، وهو ما يراه الخبراء مؤشراً على أن السوق الموازية لا تزال تعكس الضغوط الحقيقية على العملة.
ويأتي هذا بعد أشهر من التقلبات الحادة، حيث كان سعر الصرف قد تجاوز حاجز 14,500 ليرة قديمة مطلع حزيران، قبل أن يتراجع إلى مستوياته الحالية، ولكن خلف هذا الواقع، في الأسواق وفي المصارف، وبين أصحاب المحال التجارية والموظفين، يتكرر السؤال ذاته: هل أصبحت الليرة أكثر قوة فعلاً؟ أم أن ما نشهده مجرد استقرار إداري قابل للاهتزاز مع أول أزمة اقتصادية أو سياسية؟ متى سيتحقق استقرار حقيقي يولد من إصلاحات بنيوية غير قابلة للانكسار عند أول اختبار جاد؟
اقرأ أيضاً: الليرة السورية في مواجهة عتبة الـ15,000: حين تعجز المسكّنات عن علاج المرض الحقيقي – 963+
من تمويل العجز بالطباعة إلى الانضباط المالي
يقول رياض جلود الخبير في السياسة النقدية في تصريحات لـ”963+”: القوة الحقيقية للعملة لا تأتي من التدخل المباشر في سوق الصرف، بل من قوة الاقتصاد الحقيقي والقدرة على التصدير، وأن الانهيار الذي شهدته الليرة طوال السنوات الماضية لم يكن نتاج المضاربة أو الحرب النفسية فحسب، بل كان انعكاساً مباشراً لعقود من تمويل عجز الموازنة عبر طباعة النقد دون غطاء إنتاجي أو احتياطي حقيقي.
ويلفت إلى أنه في هذا السياق، أشارت بعثة صندوق النقد الدولي، التي زارت دمشق مطلع عام 2026 إلى أن وزارة المالية توقفت كلياً عن اللجوء إلى ما يُعرف بـ’التمويل النقدي’ عبر المصرف المركزي، وهو ما ساهم، بحسب البعثة، في كبح استنزاف الكتلة النقدية وخفض معدلات التضخم إلى مستويات أحادية الرقم بحلول نهاية عام 2025، بعد أن أُقفلت موازنة تلك السنة بفائض طفيف للمرة الأولى منذ سنوات.
ويشير إلى أن وقف تمويل العجز بالطباعة هو الشرط الأول والأهم لأي استقرار نقدي، لأن أي تراجع عن هذا الانضباط سيعيد إنتاج نفس الأزمة، مهما كانت قيمة العملة الجديدة على الورق.
ويؤكد جلود أن العملة الجديدة أداة تنظيمية لا حل جذري، فرغم أن حذف الأصفار من الليرة سهّل التعاملات اليومية وخفّف العبء اللوجستي المرتبط بتداول كميات ضخمة من الأوراق النقدية.
ويوضح أن حاكم مصرف سوريا المركزي السابق، عبد القادر الحصرية قد صرّح أكثر من مرة بأن عملية استبدال العملة هي إجراء تقني بحت لا يمس قيمة النقد أو حجم الكتلة النقدية، مؤكداً أن التركيز الحقيقي ينصبّ على ضبط الكتلة النقدية التي تضخمت من نحو تريليون ليرة عام 2011 إلى 42 تريليون ليرة عشية سقوط النظام السابق، نتيجة سياسة الطباعة على المكشوف لتمويل عجز الموازنة.
ويحذر من قراءة هذه الخطوة كحل جذري للمشكلات البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد السوري، فتجارب دولية موثقة من صندوق النقد الدولي تُظهر أن نجاح أي عملية إعادة تقويم نقدي مشروط بثلاثة عناصر أساسية هي “انضباط مالي مستمر، واستقلالية فعلية للبنك المركزي عن القرار السياسي، واحتياطي نقدي كافٍ يغطي الطلب على العملة الصعبة”.
كما يلفت إلى أن التحسن المؤقت الذي سجلته الليرة في مطلع عام 2025 لم ينتج عن تحسن جوهري في المؤشرات الاقتصادية أو زيادة تدفقات القطع الأجنبي، بل جاء إلى حد كبير نتيجة قرار إداري بتقييد سحب الودائع المقومة بالليرة السورية، وهو ما يعني أن جزءاً من الاستقرار الحالي أيضاً قد يكون إدارياً أكثر منه هيكلياً، ما لم تُستكمل الإصلاحات العميقة، وحتى يتحقق ذلك، سيبقى المواطن السوري يترقب بحذر، واضعاً يده على جيبه خوفاً من مفاجآت الأسواق.
عوامل الاستقرار: ما الذي يتحكم بمصير الليرة اليوم؟
ترى الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب في تصريحات لـ”963+” أن التطورات السياسية الأخيرة، والانفتاح العربي والدولي، ساهمت في تخفيف حالة القلق التي كانت تسيطر على الأسواق، فعندما تنخفض المخاطر السياسية، تتراجع تلقائياً المضاربات على الدولار، كما لا يمكن نكران أن رفع العقوبات والعملة الجديدة أعطيا رئة إضافية للاقتصاد السوري، لكن الاستقرار النقدي المستدام يحتاج إلى الانتقال من مرحلة “تسهيل المعاملات وحذف تشوهات الماضي” إلى مرحلة “جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة” وإعادة تشغيل المصانع بكامل طاقتها، فبدون إنتاج حقيقي وتصدير، سنظل نعتمد على الحوالات والمساعدات، وهي عوامل متقلبة بطبيعتها، فالبيانات الرسمية والقراءات الاقتصادية تُجمع على أن استقرار الليرة أمام الدولار الأميركي خلال النصف الأول من هذا العام يعود إلى تضافر عوامل رئيسية أهمها صدمة الثقة النفسية والنقدية.
وتضيف: جاء إصدار العملة الجديدة (بفئاتها الست الخالية من الرموز السياسية والشخصية والمحمية بعناصر أمان متطورة) ليعيد بناء جزء من الثقة المفقودة، وهذا التغيير لم يكن شكلياً، بل ترافق مع محاولات لامتصاص الكتلة النقدية التالفة وضبط السيولة، وأيضاً كسر العزلة المصرفية (الانفتاح الخارجي)، حيث لعبت قرارات رفع العقوبات، والخطوات الجارية لإعادة ربط سوريا بنظام “سويفت” العالمي للمدفوعات، دوراً جوهرياً في تسهيل تدفق الحوالات الخارجية عبر القنوات الرسمية، مما وفّر معروضاً مستقراً من النقد الأجنبي للمصرف المركزي.
وتؤكد الخطيب أن من عوامل الاستقرار تراجع تكاليف الإنتاج (الدعم الحكومي للمحروقات)، حيث ساهمت القرارات الأخيرة بخفض أسعار المشتقات النفطية (كالبنزين والديزل) بنسب تراوحت بين 14% و20% في تخفيف الضغط التضخمي، وهو ما ربطه حاكم مصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان، مباشرة بـ”دعم حركة الأسواق والإنتاج التي تصب في مصلحة استقرار العملة”.
وتلفت إلى أهمية الرقابة الصارمة والتنسيق الدولي، حيث ساعدت زيارات وفود صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية في تقديم مشورات تقنية لإعادة هيكلة السياسة النقدية، وفرضت نوعاً من الانضباط في الإنفاق العام عبر موازنة عام 2026.
وتشير إلى أهمية استمرار الانضباط المالي وضبط الإنفاق العام، “فبعد أن أثبتت وزارة المالية قدرتها على إقفال موازنة 2025 بفائض دون اللجوء للطباعة، يبقى التحدي في الحفاظ على هذا النهج مع تنفيذ موازنة 2026 الطموحة التي تتضمن زيادات كبيرة في الإنفاق على الصحة والتعليم والأجور والبنية التحتية، دون الانزلاق مجدداً نحو عجز غير ممول”.
وتلفت إلى ضرورة إعادة تشغيل الإنتاج وتقليص فجوة الاستيراد على الصادرات، فبعد أن تراجعت صادرات سوريا من نحو 18.4 مليار دولار عام 2010 إلى أقل من 2 مليار دولار في السنوات اللاحقة ـ وفق تقديرات البنك الدولي ـ وما لم يُعَد تشغيل القطاعات الإنتاجية والصناعية وتنشيط الصادرات، سيبقى الطلب على القطع الأجنبي لتمويل الاستيراد أكبر من المعروض منه، وهو ما يبقي الليرة تحت ضغط دائم مهما تحسنت الإدارة النقدية.
اقرأ أيضاً: الليرة السورية تحت ضغط التضخم وتوسع السوق الموازية – 963+
ماذا يقول السوق؟
في سوق الصرافة بدمشق أكد عدد من المتعاملين لـ”963+” أن الفارق بين سعر الشراء والبيع أصبح محدوداً مقارنة بالأشهر السابقة، كما تراجعت المضاربات اليومية بصورة ملحوظة.
ففي سوق الحريقة التجاري، يقول فهد (تاجر أقمشة) لـ”963+”: “نعم، هناك استقرار، منذ أشهر لم نعد نستيقظ على قفزات مرعبة للدولار، وهذا سمح لنا بتسعير بضائعنا بوضوح دون خوف من الخسارة الجافة. العملة الجديدة سهلت التداول المالي اليومي كثيراً، لكن حركة الشراء ما زالت ضعيفة؛ الزبون لا يملك السيولة الكافية”.
ويقول أحد الصرافين فضل عدم ذكر اسمه لـ”963+”: “لم يعد الناس يهرعون لشراء الدولار كما كان يحدث سابقاً، فالسوق أصبح أكثر هدوءاً، لكن حجم التداول أيضاً انخفض”.
أما أحد تجار المواد الغذائية فيرى أنه “صحيح أن الدولار توقف عن الجري كما كان في السابق، وهذا أراح التجار كثيراً في التسعير، لكن الأسعار التي ارتفعت خلال سنوات الانهيار لم تعد إلى الوراء، والزبون يشعر أن الاستقرار جاء متأخراً وبعد أن استنزفت الأزمة مدخراته، واستقرار الدولار ساعدنا في تثبيت الأسعار نسبياً، لكن المشكلة أن القوة الشرائية ما زالت ضعيفة، وبالتالي فإن الاستقرار لم ينعكس بعد على حجم المبيعات”.
المواطنون بين الارتياح والترقب
على الأرض، نبض الشارع الذي يمثل الاختبار الحقيقي لأي سياسة نقدية، يبدي كثير من المواطنين ترحيباً حذراً بالهدوء الذي يشهده سعر الصرف، لكنهم لا يخفون قلقهم من هشاشة هذا الاستقرار وتأثير الغلاء التراكمي على قدرتهم الشرائية.
بينما يقول عدنان (تاجر مواد غذائية، 52 عاماً) لـ”963+”: “الأسعار هدأت قليلاً الفترة الأخيرة، لكن الحركة الشرائية ضعيفة، الناس خائفة تنفق، وفي ناس إلى الآن ما بدّلت عملتها القديمة”.
وعلى الرصيف الآخر، تبدو نبرة المتقاعدين والموظفين أكثر قسوة. تقول الموجهة التربوية المتقاعدة، رنا رسلان، وهي تتسوق في حي التجارة لـ”963+”: “يحدثوننا في التلفزيون عن استقرار الليرة وهبوط الدولار، وخفض أسعار البنزين. هذا ممتاز، لكن لماذا لا تنخفض أسعار المواد الغذائية الأساسية بنفس النسبة؟ الاستقرار الذي لا يرفع القدرة الشرائية لراتبي الذي لا يكفي لأسبوع واحد، أعتبره استقراراً حبراً على ورق، نريد أن نلمس أثر الليرة الجديدة في جيوبنا لا في نشرات الأخبار فقط”.
وتضيف سلمى (متقاعدة، 65 عاماً): “معاشي التقاعدي صار بالليرة الجديدة، والحمد لله قيمته لم تنخفض كثيراً في الشهرين الماضيين، لكن الهمّ الأكبر أن الأسعار بالأسواق مرتبطة بسعر الصرف الموازي وليس بالسعر الرسمي، وهذا الفرق الكبير بين السعرين يجعلنا لا نعرف من نصدق، وإذا أصبح سعر الصرف مستقراً فهذا جيد لأنه لا يأكل من قيمة الراتب كل شهر، لكن نحن بحاجة إلى أن يترافق هذا الاستقرار مع تحسن حقيقي في الرواتب والمعاشات وليس فقط في وقف الانهيار”.
بينما يعبر خالد (موظف حكومي، 38 عاماً) عن قلقه قائلا لـ”963+”: “مررنا باستقرارات كثيرة من قبل وكلها كانت مؤقتة وهناك من يقول لعبة تجار، لكن هذه المرة في بوادر إيجابية: العقوبات خفّت، والصندوق زارنا، والعملة الجديدة تتداول، لكن السؤال: ماذا سيحدث بعد ما تنتهي مهلة الاستبدال؟ وهل الحكومة قادرة توقف طباعة النقود على المكشوف؟”.
هل يكفي استقرار سعر الصرف؟
يرى الخبير الاقتصادي محمد علوش في تصريح لـ”963+” أن الإجابة هي: لا. فسعر الصرف ليس سوى مؤشر واحد ضمن عشرات المؤشرات، والاقتصاد الصحي يحتاج إلى: زيادة الإنتاج، ونمو الصادرات، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، ورفع الأجور، وتحسين الخدمات العامة، وبدون ذلك، سيبقى استقرار العملة منفصلاً عن معيشة المواطنين.
ويلفت إلى أنه كلما انخفضت كمية الليرات المتداولة مقارنة بحجم الطلب عليها، ارتفعت قيمتها نسبياً، إلا أن هذه السياسة تحمل جانباً سلبياً يتمثل في انخفاض السيولة داخل الأسواق وتباطؤ النشاط التجاري.
ويحدد علوش عدداً من المخاطر، أبرزها: حدوث تراجع في الاحتياطيات الأجنبية، وعودة المضاربات إلى السوق، وارتفاع فاتورة الاستيراد، وتباطؤ الإصلاحات الاقتصادية، وانخفاض التحويلات الخارجية، وحدوث توترات سياسية أو أمنية، وأيضاً توسع الإنفاق العام دون موارد حقيقية.
ويشير إلى أنه بعد ستة أشهر من إطلاق العملة السورية الجديدة، تبدو الليرة أكثر استقراراً مما كانت عليه خلال السنوات الماضية، مدعومة بتحسن البيئة السياسية، وتخفيف العقوبات، وإدارة نقدية أكثر انضباطاً، وتراجع الضغوط على سوق القطع، لكن هذا الاستقرار، لا يمكن اعتباره مكسباً دائماً ما لم يتحول إلى استقرار اقتصادي شامل يقوم على الإنتاج والاستثمار والتصدير وخلق فرص العمل، فالعملة لا تستمد قوتها من الإجراءات النقدية وحدها، بل من اقتصاد قادر على توليد القيمة والثقة معاً.










