لم يكن المشهد مفاجئاً لمن تابع المسار عن كثب، بعد أن لامست الليرة السورية عتبة السبعة آلاف مقابل الدولار في الأسابيع الأولى التي أعقبت سقوط نظام الأسد، وحملت معها وهجاً من التفاؤل بأن زمن الانهيار قد ولّى، ها هو المشهد يُعاد تشكيله من جديد، بألوان أكثر قتامة.
اليوم، يتجاوز الدولار حاجز الـ14,200 ليرة في السوق الموازية، ويطرق بثقل أبواب عتبة الـ15,000، تلك الرقم الذي كان يُمثّل ذروة الانهيار في عهد النظام السابق، ويُشكّل في الوعي الجمعي السوري حداً فاصلاً بين الأزمة والكارثة. فمن يتحمل وزر هذا التراجع؟ ولماذا تتهاوى الحلول النقدية المتعاقبة تباعاً دون أن تُحدث أثراً يُذكر؟
من السبعة آلاف إلى الأربعة عشر ألفاً: رحلة التبدد السريع
في الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام، خرج كثير من الاقتصاديين ليتحدثوا عن “لحظة الانتعاش” انتعاش نسبي في قيمة الليرة، وعودة جزء من رؤوس الأموال المهاجرة، وتدفق للحوالات الخارجية من السوريين في المهجر الذين أرادوا المشاركة في بناء بلدهم، غير أن هذا الانتعاش لم يكن سوى موجة على سطح بحيرة راكدة.
يقول الباحث الاقتصادي اللبناني د. سامر الخليل المتخصص في السياسات النقدية لدول ما بعد النزاع، في تصريحات لـ”963+”: “ما شهدناه في الأشهر الأولى كان ظاهرة نفسية بامتياز، ارتبطت بالتفاؤل السياسي لا بالتحسن الهيكلي، فحين لم تتبعه إجراءات اقتصادية جوهرية على أرض الواقع، كان طبيعياً أن يتراجع، والسؤال الأصح ليس: لماذا عاد الدولار للارتفاع؟ بل: ما الذي كان يمنعه من ذلك أصلاً؟”
ويضيف: “هناك ثلاثة عوامل تضغط على المنتج، والعملة تدفع الثمن، فعلى أرض الواقع، يعيش أصحاب المعامل والورشات والمنشآت الإنتاجية الصغيرة والمتوسطة تحت وطأة ثلاثي مُثقِل لا يُتيح لهم الاستمرار بصورة طبيعية، فضلاً عن التوسع، أولها تكاليف الطاقة والوقود، والتي قفزت إلى مستويات لا تتناسب مع إمكانيات القطاع الإنتاجي المحلي المنهك أصلاً من سنوات الحرب، وفي غياب دعم حكومي فعلي أو خطط لتأمين إمدادات مستقرة، يجد كثير من المصنّعين أنفسهم أمام معادلة مستحيلة: إما رفع الأسعار فوق قدرة السوق المحلية، أو الإغلاق”.
والعامل الثاني، كما يشير الخليل، هو التذبذب التشريعي، الذي يُعدّ الجرح الأكثر نزيفاً في جسد بيئة الأعمال السورية، تتابعت القرارات والمراسيم المتعلقة بالاستيراد وسعر الصرف الجمركي والمنصات الرسمية بوتيرة ارتبكت معها حسابات المستثمرين، والعامل الثالث هو الانكماش الحاد في القوة الشرائية المحلية، إذ لا يزال الأجر الشهري للموظف العام والعامل المياوم لايستطيع “إنعاش الطلب المحلي”.
ويضيف الخليل إلى أن هذا الثالوث لا يقتل المنشأة القائمة وحسب، بل يُحبط أي مستثمر يفكر في الدخول من البداية، والنتيجة الحتمية هي أن رأس المال يبحث عن ملجأ آمن، ولا ملجأ أكثر أماناً في هذا المناخ من الدولار.
ويصف صاحب أحد مصانع الأغذية في ريف دمشق الوضع بقوله: “لا أعرف كيف أضع ميزانية لمصنعي وأنا لا أعرف ما سيكون عليه سعر المادة الخام الأسبوع القادم، ولا القانون الذي سيحكم استيرادها”.
المسكّن النقدي: دواء يُغذّي المرض
تُشير الباحثة الاقتصادية رنا المصري المتخصصة في سياسات التنمية الصناعية في تصريحات لـ”963+” أنه على مدار أشهر، لجأت الجهات المختصة إلى جملة من الأدوات النقدية التقليدية: ضخ العملة الصعبة في السوق، تحديد سعر رسمي، تضييق هامش التداول في السوق الموازية، وتشديد إجراءات منصات الحوالات.
وتقول: النتيجة في كل مرة واحدة: تراجع مؤقت، ثم عودة للارتفاع بزخم أكبر، فالليرة السورية تعاني من مرض هيكلي عميق اسمه توقف عجلة الإنتاج، وما تفعله السياسة النقدية هو علاج أعراض هذا المرض لا جذوره، فتخفيض سعر الصرف مؤقتاً مع غياب الإنتاج يشبه تماماً من يُعطي مسكّن ألم لمريض يحتاج إلى جراحة، قد يُريحه لساعات، لكن الجرح يتعفن في الداخل.
وتضيف: المفارقة المؤلمة أن ضخ الدولار في السوق لكبح السعر يستنزف الاحتياطيات التي يفترض أن تُبنى وتُحفظ لمرحلة إعادة الإعمار، فنحن في الواقع نستهلك مستقبلنا لندفع ثمن حاضر لم نُصلحه.
الحوالات: شريان مؤقت أم قدر دائم؟
لعل أحد أبرز ملامح الاقتصاد السوري اليوم هو اعتماده شبه الكلي على تدفقات الحوالات الخارجية القادمة من الجاليات السورية في دول اللجوء والمهجر، وبينما تُمثّل هذه الحوالات شرياناً حيوياً لا يمكن التقليل من أهميته، إلا أن الاعتماد عليها كركيزة أساسية لتمويل العجوزات ودعم الليرة يُخفي خطراً بنيوياً خطيراً.
وتُوضح الخبيرة الاقتصادية ليلى حمدان التي تتابع ملف الاقتصاد السوري من ألمانيا في تصريح لـ”963+” أن الحوالات مرتبطة بعوامل خارجة عن إرادة الدولة السورية كلياً، كالوضع الاقتصادي في بلدان المهجر، وقرارات اللاجئين بالعودة أو البقاء، والتغيرات السياسية في دول الاستضافة، وهي بطبيعتها تدفقات استهلاكية لا استثمارية في معظمها، أي أنها تُعيش الناس لكنها لا تبني اقتصاداً، والاعتماد عليها بدلاً من بناء القطاع الإنتاجي هو رهان على ورقة لا تملكها.
وتتابع: في ظل ضعف التدفقات الاستثمارية وتراجع الإنتاج، لجأت الحكومة إلى توسيع قاعدة الضرائب والرسوم كمصدر رئيسي للإيرادات، وهو خيار يبدو منطقياً على الورق، لكنه يُرسّخ دوامة مُغلقة في الواقع.
ويُفسّر طارق النعسان محاسب قانوني يعمل مع عدد من المنشآت الصناعية في حلب وإدلب في تصريح لـ”963+” أنه حين تفرض ضرائب مرتفعة على منشآت تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع الطلب وعدم استقرار التشريعات، فأنت لا تحصّل إيرادات، أنت تُعجّل بإغلاق هذه المنشآت أو دفعها نحو الاقتصاد غير الرسمي وفي الحالتين، تخسر الدولة في النهاية.
ويلخص د. عمر الدندشي، مستشار اقتصادي سبق أن عمل في ملفات إعادة الإعمار بدول عربية عدة، الإشكالية بصراحة في تصريح لـ”963+” أن الاستمرار في النهج الراهن، وهو إدارة سعر الصرف بأدوات نقدية مع غياب إصلاحات هيكلية حقيقية، فإن كسر حاجز الـ15,000 ليرة مسألة وقت لا مسألة احتمال، أما التثبيت القسري، عبر قرارات إدارية صارمة لسعر الصرف مدعومة بضخ احتياطيات، وهذا القرار خطير لأنه يستنزف الاحتياطيات دون معالجة الأسباب، ويُفضي في النهاية إلى انهيار أكثر حدة.
ويرى الدندشي أن الإصلاح الهيكلي الشامل، الذي يبدأ من إصلاح بيئة الأعمال وخفض تكاليف الطاقة وتثبيت التشريعات وتشجيع الاستثمار الإنتاجي، هو الحل الوحيد الذي يُعالج المرض الحقيقي، لكنه الأبطأ في الظهور والأصعب في التنفيذ، وبالتالي الأقل جاذبية لصانع القرار الذي يتعرض لضغوط آنية.
ويلخّص د. دندشي هذه المعادلة الصعبة بقوله: المشكلة أن السياسي يفكر بتهدئة أوضاع الناس بسرعة، بينما يتطلب الإصلاح الهيكلي أفقاً زمنياً لسنوات، وهذا التناقض هو في صميم أزمة الليرة، والإنقاذ يبدأ من المزرعة والمعمل، فثمة معادلة بسيطة: الليرة لن تستقر من ردهات المصارف وصالات الصرافة، استقرارها مشروط بأن تعود المزارع إلى إنتاجها، والمعامل إلى دوران عجلاتها، والمستثمر إلى الثقة بأن دولاره الذي يضخه في الإنتاج لن يُبتلع بقرار ارتجالي أو تضخم مفاجئ.
ويضيف: بالتالي فالوصول إلى عتبة الـ15,000 ليرة ليس قدراً محتوماً، لكنه النتيجة الطبيعية لاقتصاد يعيش على الحوالات ويُدار بعقلية الأزمة، وبدون تحوّل جذري في الأولويات، نحو الفلاح والصناعي والمنتج الحقيقي، سيبقى كل رقم جديد لسعر الصرف مجرد محطة عابرة في رحلة هبوط لم تجد بعد ما يوقفها.










