تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات متسارعة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية، تتجلى في إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وتبدل أولويات الدول الفاعلة، وظهور تفاهمات جديدة تسعى إلى احتواء الأزمات الممتدة في المنطقة.
وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز سوريا بوصفها إحدى أكثر الدول تأثراً بأي تحول إقليمي، نظراً لتداخل ملفاتها السياسية والأمنية مع مصالح وأدوار العديد من القوى الإقليمية والدولية.
وتثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول مدى انعكاسها على المشهد السوري الداخلي، وما إذا كانت ستسهم في إعادة رسم موازين القوى والتفاهمات القائمة بين مختلف الأطراف السورية، أو ستدفع نحو ترتيبات جديدة تفرضها المتغيرات الإقليمية الراهنة.
آثار الإقليم على سوريا
يقول الكاتب الصحافي أحمد مظهر سعدو إن ما يجري في الإقليم لا بد أن يترك آثاره على مجمل الحالة السورية، مشيراً إلى أن سوريا الخارجة من ثورة استمرت أكثر من 14 عاماً، والتي كانت دراماتيكية بكل معنى الكلمة، ما تزال تعمل على لملمة جراحها ومحاولة النهوض من جديد وتوحيد ما تعرض للتفتيت والتجزئة، إلى جانب بناء حالة من الاستقرار خلال المرحلة الحالية.
ويضيف سعدو في حديث لـ”963+” أن الحروب الدائرة في محيط سوريا والقريبة منها جغرافياً ستنعكس بطبيعة الحال على الواقع السوري، إلا أن سياسة النأي بالنفس التي تتبعها الحكومة في دمشق ما تزال تشكل مساحة جدية للحد من تأثيرات الصراعات الإقليمية وتداعياتها المباشرة.
ويؤكد أن هذه السياسة أسهمت وتسهم في إبقاء سوريا الجديدة ضمن حالة من الاستقرار النسبي، الأمر الذي ينسجم مع الجهود الرامية إلى إعادة دمج جميع السوريين بمختلف مكوناتهم وأثنياتهم ضمن إطار الدولة السورية الواحدة الموحدة.
ويشير سعدو إلى أن من أبرز التحديات التي قد تؤدي إلى إقلاق الوضع السوري خلال المرحلة المقبلة استمرار التعديات الإسرائيلية على الأراضي السورية، موضحاً أن إسرائيل، التي تعتقد أنها خرجت منتصرة من الحروب التي شهدتها المنطقة، ستكون أكثر تشدداً في طرح مطالبها وشروطها السياسية والأمنية.
وينوه إلى أن الأوضاع في الجنوب السوري، ولا سيما في جبل العرب ومحافظة السويداء، ستبقى متعثرة وخارج السيطرة الكاملة للدولة السورية إلى حين التوصل إلى اتفاق أمني مرتقب بين سوريا وإسرائيل.
ويشدد سعدو على أن المؤشرات الحالية توحي بأن هذا الاتفاق ليس بعيد المنال، لافتاً إلى أنه بات، وفق تقديره، قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى مراحله النهائية وخواتيمه السياسية والأمنية.
تحولات تُفرص
يرى الصحفي السوري يوسف عزيز أن التحولات الإقليمية المتسارعة التي تشهدها المنطقة خلال الفترة الحالية تفرض نفسها بشكل مباشر على المشهد السوري، باعتبار أن سوريا كانت طوال السنوات الماضية إحدى أكثر الساحات تأثراً بالتجاذبات الإقليمية والدولية.
ويقول عزيز لـ”963+” إن أي تغيير في طبيعة العلاقات بين القوى الفاعلة في المنطقة، أو في شكل التحالفات القائمة، ينعكس بصورة أو بأخرى على موازين القوى والتفاهمات داخل سوريا.
ويشير عزيز إلى أن المرحلة الحالية تختلف عن السنوات السابقة، إذ تتجه العديد من دول المنطقة إلى إعطاء الأولوية للاستقرار وخفض مستويات التوتر، الأمر الذي يخلق مناخاً سياسياً جديداً قد يدفع الأطراف السورية إلى البحث عن صيغ أكثر واقعية للتفاهم والتوافق.
ويضيف أن التحولات الجارية قد تسهم في إعادة ترتيب البيت الداخلي السوري من خلال تعزيز فرص الحوار بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية، ودعم مسارات الاندماج وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر استقراراً.
وفي ما يتعلق بالتحديات، يؤكد عزيز أن استمرار حالة عدم اليقين في الإقليم، إلى جانب وجود ملفات عالقة تتعلق بالأمن والحدود وعودة اللاجئين وإعادة الإعمار، يشكل تحدياً حقيقياً أمام جميع الأطراف السورية، كما أن تباين مصالح القوى الإقليمية والدولية ما يزال يمثل عاملاً مؤثراً قد يعرقل الوصول إلى تفاهمات شاملة ومستدامة.
وفي المقابل، يرى عزيز أن المتغيرات الإقليمية تفتح أيضاً مجموعة من الفرص المهمة أمام السوريين، أبرزها إمكانية توسيع هامش الاستقرار السياسي والأمني، واستقطاب مزيد من الدعم الاقتصادي والاستثماري، إضافة إلى تهيئة الظروف المناسبة لإطلاق مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.
كما أن تراجع حدة الاستقطاب الإقليمي قد يمنح الأطراف السورية فرصة أكبر للتركيز على القضايا الداخلية ومعالجة التحديات الاقتصادية والخدمية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، وفقاً لما يراه عزيز.
ويخلص عزيز إلى أن نجاح سوريا في الاستفادة من هذه التحولات سيبقى مرتبطاً بقدرة السوريين على بناء تفاهمات داخلية متينة، واستثمار المتغيرات الإقليمية بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز فرص الاستقرار والتنمية خلال المرحلة المقبلة.










