لم يكن مشهد ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات في شرق سوريا مفاجئاً للطبيعة والبشر فحسب، بل كان ثقيلاً أيضاً بحجم التداعيات التي خلّفها على المنازل والأراضي الزراعية والبنية التحتية، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول قدرة المؤسسات على إدارة الموارد المائية والتعامل مع الكوارث الطبيعية، سواء من خلال التنبؤ المبكر بها أو الاستجابة الفاعلة لتداعياتها، فضلاً عن انعكاسات ذلك على مستقبل الاستثمار والتنمية في المنطقة.
وشهدت مناطق عدة على امتداد ضفاف نهر الفرات في محافظتي دير الزور والرقة، خلال الأيام الأخيرة من شهر مايو/أيار الماضي، ارتفاعاً ملحوظاً في منسوب المياه، ما دفع فرق الطوارئ والدفاع المدني والجهات المحلية إلى رفع مستوى الجاهزية واتخاذ إجراءات احترازية شملت تدعيم السواتر الترابية، ومراقبة المناطق المهددة، وتنفيذ عمليات إخلاء في بعض المواقع عند الضرورة.
وبدأت مؤشرات الأزمة بالتراجع تدريجياً بعد إعلان وزارة الطاقة السورية خفض كميات المياه الممررة عبر سد الفرات إلى نحو 1400 متر مكعب في الثانية، عقب إغلاق البوابة الرابعة من المفيض، بالتزامن مع انخفاض الواردات المائية القادمة من تركيا. كما أكدت الوزارة استمرار أعمال الرصد والمتابعة الفنية للحفاظ على استقرار الوضع المائي وإعادة مناسيب النهر إلى مستوياتها الطبيعية بشكل آمن، فيما أعلنت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث استقرار الأوضاع في دير الزور وتراجع منسوب المياه في الرقة مع استمرار عمليات تقييم الأضرار.
وجاءت موجة الفيضانات نتيجة تدفقات مائية استثنائية ناجمة عن الأمطار الغزيرة وذوبان الثلوج في المرتفعات التركية وفتح بوابات التصريف في سد أتاتورك، ما أدى إلى ارتفاع منسوب نهر الفرات إلى مستويات غير مسبوقة منذ ثمانينيات القرن الماضي، متسبباً في غمر منازل وأراضٍ زراعية وخروج عدد من محطات المياه والكهرباء عن الخدمة في محافظتي الرقة ودير الزور.
غير أن خطورة فيضان الفرات لا تكمن في حجم الخسائر المباشرة التي ألحقها بالمحاصيل الزراعية والبنية التحتية فحسب، بل تمتد إلى الرسائل التي يبعثها للمستثمرين المحليين والأجانب بشأن طبيعة البيئة الاستثمارية في شرق سوريا.
فالمستثمر لا يقيّم أي مشروع بناءً على العوائد المتوقعة فقط، بل يضع في اعتباره أيضاً مستوى المخاطر السياسية والأمنية والقانونية والإدارية المحيطة به.
ورغم ما تمتلكه محافظتا دير الزور والرقة من مقومات اقتصادية كبيرة، تشمل الأراضي الزراعية الخصبة والثروات الطبيعية والموقع الجغرافي الاستراتيجي، فإن جذب الاستثمارات يبقى مرتبطاً بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد وحماية البنية التحتية وتعزيز الاستقرار، وهو ما أعادت أزمة الفرات تسليط الضوء عليه من جديد.
مشكلات بنيوية
في هذا السياق، يشير الدكتور رفعت عامر إلى أنه لا يمكن اختزال ما جرى باعتباره كارثة طبيعية موسمية فحسب، مؤكداً أن ارتفاع منسوب مياه الفرات كشف عن مشكلات بنيوية عميقة تتعلق بضعف البنية التحتية، وغياب التخطيط الاستراتيجي، وعدم وجود أنظمة فعالة للإنذار المبكر وإدارة المخاطر.
ويلفت الأكاديمي السوري في حديثه لـ”963+” إلى أن الأزمة شكّلت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية على حماية المواطنين وإدارة الأزمات في واحدة من أكثر المناطق أهمية من الناحية الزراعية والاقتصادية.
ويضيف أن تحوّل ظاهرة متوقعة نسبياً إلى أزمة واسعة النطاق يثير تساؤلات جدية حول جاهزية المؤسسات المعنية ومدى قدرتها على الاستعداد للكوارث قبل وقوعها.
وحول انعكاسات هذه الأحداث على مستقبل الاستثمار في المنطقة الشرقية، يوضح عامر أن مثل هذه الكوارث غير المُدارة تؤثر بشكل مباشر على ثقة المستثمرين، لأن رأس المال يبحث دائماً عن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.
ويشير إلى أن تعرض أي منطقة لفيضانات أو أزمات في ظل غياب خطط واضحة للحماية والاستجابة يرفع مستوى المخاطر الاستثمارية، ويدفع المستثمرين إلى التردد في ضخ أموالهم.
ويحذر عامر أن الفيضان لم يخلق أزمة استثمارية جديدة بقدر ما كشف عن تحديات قائمة أصلاً، رغم ما تمتلكه المنطقة الشرقية من مقومات اقتصادية كبيرة تشمل الأراضي الزراعية الواسعة، والموارد الطبيعية، والموقع الاستراتيجي.
ويشدد على أن معوقات الاستثمار في سوريا تتجاوز تداعيات الفيضان، وتشمل استمرار عدم الاستقرار المؤسسي والقانوني، والتحديات الأمنية، والقيود المالية والمصرفية، وضعف الضمانات القضائية، وهي عوامل ترفع من كلفة المخاطرة وتحد من تدفق رؤوس الأموال.
ويؤكد على أن استعادة ثقة المستثمرين لا تتطلب فقط معالجة آثار الكارثة وتعويض المتضررين، بل تستوجب إصلاحات أوسع.
فرصة لإعادة بناء الثقة
وفي المقابل، يشير عامر الباحث في الاقتصاد الدولي وقضايا التنمية إلى إمكانية تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء الثقة، من خلال تطوير منظومة متكاملة لإدارة المخاطر تشمل إعداد خرائط للمناطق المهددة، وتفعيل أنظمة الإنذار المبكر، وإنشاء سواتر مائية حديثة، وتطبيق نظام تأمين زراعي فعال، إلى جانب توفير بيئة قانونية مستقرة تضمن حماية حقوق المستثمرين والملكية الخاصة.
كما ينبه أن ملف الفرات كان ينبغي التعامل معه باعتباره قضية أمن قومي وتنمية استراتيجية، لا مجرد ملف خدمي.
ويوضح أن من أبرز الإجراءات التي كان يجب اتخاذها إنشاء منظومة إنذار مبكر مرتبطة بالسدود ومحطات قياس المناسيب، وإعداد خرائط دقيقة للمناطق المهددة بالغمر، وتعزيز السواتر والجسور قبل مواسم الأمطار.
ويلفت عامر إلى أهمية إنشاء غرفة عمليات مشتركة تضم الجهات المعنية بإدارة المياه والطوارئ والزراعة والطاقة، والعمل على تعزيز قنوات التنسيق مع تركيا والجهات ذات الصلة في إدارة موارد النهر.
ويحذّر من أن استمرار غياب التخطيط الاستباقي والتنسيق المؤسسي قد يؤدي إلى تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلاً، مع ما يرافقها من خسائر بشرية واقتصادية متزايدة.
ويؤكد في ختام حديثه على ضرورة إعداد خطط إخلاء مسبقة، وتجهيز مراكز إيواء ومخزون طوارئ، بما يضمن حماية السكان وتقليل الخسائر وتعزيز قدرة المنطقة على مواجهة أي طارئ مستقبلي.
ضعف الاستثمار
من جانبه، يشير المستشار الاقتصادي عامر ديب إلى أن أزمة المياه التي شهدتها منطقة شرق الفرات يجب النظر إليها من عدة زوايا، وليس من زاوية واحدة فقط. ويلفت ديب في حديثه لـ”963+” إلى أن إرجاع الأزمة إلى ضعف الاستثمار أو تأخر القرارات الاستثمارية في المنطقة الشرقية يمثل أحد الأسباب، لكنه لا يفسر المشهد بالكامل.
ويوضح الاقتصادي السوري أن منطقة شرق الفرات تعاني في الأصل من انعدام البنية التحتية، وليس مجرد ضعفها، إضافة إلى تعقيدات التركيبة السكانية والتداخلات الفكرية المؤقتة التي تشهدها المنطقة. وتابع قائلاً إن السدود القائمة، والتي شُيّدت في سبعينيات القرن الماضي، أصبحت اليوم بحاجة ماسة إلى الصيانة بعد أن تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة المعارك والأحداث التي شهدتها المنطقة، ما جعلها غير مهيأة لاستقبال كميات المياه الحالية وإدارتها بالشكل المطلوب.
كما يلفت المصدر ذاته إلى أن الجانب التركي مطالب أيضاً بالتعويض على المزارعين والفلاحين الذين تضررت محاصيلهم الزراعية، ولا سيما القمحية منها، نتيجة تدفق المياه في هذا التوقيت الحساس، خاصة أن عملية تسليم المحاصيل كانت على وشك الانتهاء.
ويتساءل: إذا كانت السدود التركية ممتلئة منذ أشهر، بل وتسببت مستويات المياه المرتفعة فيها بمخاوف ومشكلات متعددة، فلماذا لم يتم فتح المياه خلال تلك الفترة بدلاً من فتحها الآن؟
ويستطرد رئيس مجلس النهضة السوري قائلاً إن الاستفادة من هذه الكميات الكبيرة من المياه كانت تتطلب وجود خزانات مائية ومنشآت تخزين قادرة على حفظ المياه ومنع هدرها أو ضياعها، وإعادة استخدامها لاحقاً في القطاع الزراعي. وأضاف أن الأولوية كان ينبغي أن تُمنح لجذب المستثمرين للعمل في الحقول والآبار العائدة إلى سلطة الإدارة الحالية، بما يسهم في تطويرها واستثمارها بالشكل الأمثل، إلى جانب إطلاق مشاريع تنموية في المناطق الريفية.
ويشير ديب إلى أن المنطقة تواجه مجموعة من التحديات الاقتصادية المتراكمة، تشمل ضعف البنية التحتية، ومشكلات الاستثمار، وتراجع مستويات الأمان، فضلاً عن العقبات المرتبطة بقطاع النفط. وأكد أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في إضعاف النشاط الاستثماري، رغم وجود حلول ومقترحات مطروحة بانتظار التنفيذ.
وفي حديثه عن الآثار الاقتصادية للأزمة، يوضح عامر ديب المستشار الاقتصادي أن زيادة منسوب المياه بشكل يفوق قدرة المنطقة على الاستيعاب قد يحول النعمة إلى كارثة. وقال إن شرق الفرات عانى لسنوات من الجفاف وكان بحاجة إلى كميات محددة من المياه، إلا أن تدفق المياه بأضعاف الحاجة الفعلية أدى إلى أضرار واسعة بدلاً من تحقيق الفائدة المرجوة.
ويؤكد أن استثمار هذه المياه يتطلب إنشاء خزانات مائية، ولو كانت مؤقتة أو بدائية في المرحلة الأولى، إلى حين تنفيذ مشاريع أكبر وأكثر استدامة.
كما يشدد على أهمية التنسيق مع الجانب التركي لضمان فتح السدود خلال أوقات وفترات مدروسة تدعم المزارعين والقطاع الزراعي، بدلاً من التسبب بكوارث زراعية وبيئية واجتماعية واقتصادية تؤثر على البنية التحتية في شرق الفرات.
ويضيف أن من أبرز المشاريع المطلوبة في المرحلة المقبلة إنشاء السدود الصغيرة والخزانات المائية، وتشجيع الاستثمارات في المنطقة، إلى جانب إعادة تأهيل البيئة الفكرية والتنموية لمختلف مكونات المجتمع المحلي، بما يعزز ثقافة التنمية والإنتاج بدلاً من الأفكار التي لا تخدم الاقتصاد أو التنمية المستدامة.
ويتابع أن تحقيق ذلك يتطلب إشراك أبناء المنطقة في عملية البناء والتنمية، من خلال مساهمتهم في المشاريع الاقتصادية والتنموية، وتشجيع رؤوس الأموال المحلية على الاستثمار.
ويشير إلى أن شرق الفرات يمتلك مقومات اقتصادية كبيرة تشمل الزراعة والنفط والمعادن وغيرها من الموارد، ما يجعله من المناطق الغنية والقادرة على تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية.
ويختتم ديب حديثه بالتأكيد على أن إيجاد حالة من التوازن الاقتصادي والاجتماعي في شرق الفرات يمثل ضرورة ملحة، من شأنها تعزيز الترابط المجتمعي وخلق بيئة تنموية قائمة على مشاركة أبناء المنطقة أنفسهم، وهو ما يشكل الأساس لأي نهضة اقتصادية وتنموية مستدامة في المستقبل










