شهد المشهد الإعلامي السوري تحولات عميقة بعد سقوط النظام، في مرحلة يمكن وصفها بأنها الأكثر حساسية في تاريخ الصحافة السورية الحديثة، بعدما انتقلت وسائل الإعلام من حالة الاحتكار السياسي والخطاب الأحادي إلى فضاء أكثر تنوعاً وانفتاحاً، وسط تحديات مهنية واقتصادية وتشريعية معقدة.
وعلى مدى عقود، ارتبط الإعلام السوري بشكل مباشر بمؤسسات السلطة والحزب، حيث اقتصر دوره على نقل الرواية الرسمية وتوجيه الرأي العام ضمن إطار سياسي مغلق.
إلا أن انهيار هذه المنظومة أدى إلى بروز واقع إعلامي جديد، ظهرت فيه عشرات المنصات والمبادرات المستقلة التي حاولت تقديم خطاب مختلف يعكس قضايا المجتمع وتطلعاته.
ويرى مراقبون أن هذا التحول لم يقتصر على شكل الخطاب الإعلامي فحسب، بل شمل أيضاً طبيعة دور الصحفي نفسه، الذي أصبح مطالباً بالانتقال من وظيفة “الناقل الرسمي” إلى دور أكثر استقلالية يقوم على الرقابة وكشف الحقائق ومتابعة قضايا الرأي العام.
كما ساهم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن في توسيع مساحة التعبير وكسر احتكار المعلومة، الأمر الذي منح شرائح واسعة من السوريين فرصة المشاركة في صناعة المحتوى الإعلامي والتأثير في النقاش العام.
إعادة التشكل
يقول المحلل السياسي مصطفى رستم إن طبيعة العمل الإعلامي في سوريا تتأثر بشكل كبير بالمرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد، في ظل التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة التي فرضت تحديات جديدة على المؤسسات الإعلامية والصحفيين.
ويضيف رستم في حديث لـ”963+” أن المشهد الإعلامي السوري يشهد حالة من إعادة التشكل، حيث تحاول وسائل الإعلام التكيف مع المتغيرات الراهنة ومتطلبات الجمهور الذي أصبح أكثر اهتماماً بالحصول على معلومات دقيقة وموثوقة بعيداً عن الخطابات التقليدية.
ويشير إلى أن المرحلة الحالية تفرض على الإعلام السوري مسؤولية مضاعفة تتمثل في نقل الوقائع بمهنية عالية، مع الحفاظ على التوازن في تناول القضايا السياسية والاقتصادية والإنسانية.
كما يوضح أن تعدد الجهات الفاعلة داخل المشهد السوري يؤدي إلى تنوع الخطاب الإعلامي، لكنه في الوقت ذاته يخلق تحديات تتعلق بالمصداقية والتحقق من المعلومات، خاصة مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي.
ويؤكد رستم أن الإعلام في سوريا لم يعد يقتصر على نقل الأخبار فقط، بل أصبح جزءاً من عملية التأثير في الرأي العام وصناعة الوعي المجتمعي خلال المرحلة الانتقالية.
ويلفت إلى أن تطوير البيئة الإعلامية يحتاج إلى دعم التشريعات التي تضمن حرية العمل الصحفي، إضافة إلى تدريب الكوادر الإعلامية بما ينسجم مع المعايير المهنية الحديثة، الأمر الذي من شأنه تعزيز دور الإعلام في دعم الاستقرار وإيصال صوت المواطنين بمختلف فئاتهم.
محطات مفصلية
يرى الصحفي السوري يوسف عزيز أن التحولات التي شهدها الإعلام السوري بعد سقوط النظام تمثل واحدة من أهم المحطات المفصلية في تاريخ الصحافة السورية الحديثة، نظراً لما حملته من انتقال جذري من إعلام خاضع بالكامل لهيمنة السلطة السياسية إلى فضاء أكثر انفتاحاً وتعدداً.
ويؤكد في حديث لـ”963+” أن هذه المرحلة لم تكن مجرد تغيير في شكل الخطاب الإعلامي، بل تحوّلاً عميقاً في مفهوم العمل الصحفي ذاته، بعد عقود طويلة كان فيها الإعلام الرسمي يؤدي دوراً دعائياً يقتصر على إعادة إنتاج الرواية الحكومية وتوجيه الرأي العام ضمن إطار سياسي مغلق.
ويشير يوسف عزيز إلى أن السنوات التي أعقبت سقوط النظام شهدت ولادة عشرات المنصات الإعلامية المستقلة والمبادرات الصحفية الجديدة، التي حاولت تقديم خطاب مختلف يعبّر عن قضايا المجتمع السوري وهمومه اليومية، وينقل أصوات الفئات التي ظلت مهمشة لسنوات طويلة.
كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي وصحافة المواطن دوراً محورياً في كسر احتكار المعلومة، ومنحت السوريين مساحة واسعة للمشاركة في نقل الأحداث وصناعة المحتوى الإعلامي، الأمر الذي ساهم في خلق بيئة إعلامية أكثر حيوية وتأثيراً، وفقاً لما يراه عزيز.
ومع ذلك، يؤكد أن هذا الانفتاح السريع ترافق مع تحديات كبيرة ومعقدة، أبرزها غياب البيئة القانونية والتنظيمية القادرة على حماية حرية الصحافة وضبط المعايير المهنية، فمع انهيار البنية التقليدية للإعلام، ظهرت حالة من الفوضى الإعلامية انعكست في انتشار الأخبار غير الدقيقة وخطابات التحريض والاستقطاب السياسي، إضافة إلى صعوبة التحقق من المعلومات في ظل تعدد المصادر وتضارب الروايات.
ويؤكد يوسف عزيز أن الجيل الجديد من الصحفيين السوريين واجه تحدياً مزدوجاً؛ فمن جهة، كان عليه مواصلة العمل الميداني وتوثيق الانتهاكات ونقل معاناة السوريين، ومن جهة أخرى أصبح مطالباً بتطوير أدواته المهنية والانتقال من الصحافة التعبوية إلى صحافة تقوم على التحليل والتوازن والدقة والالتزام بأخلاقيات المهنة.
ويرى أن بناء صحافة مستقلة لا يمكن أن يتحقق دون وجود مؤسسات إعلامية قادرة على تحقيق استقلال مالي وإداري بعيداً عن تأثير التمويل السياسي أو الأجندات الخارجية.
ويختتم يوسف عزيز رؤيته بالتأكيد على أن مستقبل الإعلام السوري سيبقى مرتبطاً بقدرة الصحفيين والمؤسسات الإعلامية على بناء خطاب وطني جامع يعزز قيم الحرية والعدالة والمساءلة، بعيداً عن الانقسام والاستقطاب، معتبراً أن الصحافة السورية أمام فرصة تاريخية لتأسيس نموذج إعلامي جديد يكون أكثر قرباً من المجتمع وأكثر التزاماً بالحقيقة، بما يساهم في دعم الاستقرار وإعادة بناء الثقة داخل سوريا في المرحلة المقبلة.










