كانت “العيدية” طقساً اجتماعياً ثابتاً يمنح الأطفال نقوداً خلال العيد ويشكّل جزءاً من بهجته العائلية، لكنها تراجعت بفعل الضغوط الاقتصادية وصعود التحويلات الإلكترونية، حيث باتت تُرسل رقمياً عبر التطبيقات والخدمات البنكية، خاصة بين العائلات المغتربة أو المتباعدة جغرافياً.
رانيا (32 عاماً) شابة مغتربة منذ عدة سنوات في السويد، تقول لـ”963+” إن العيد فرض عليها شكلاً جديداً من العطاء، “كل عيد أحوّل عيديات لأولاد إخوتي عبر التطبيقات البنكية، هي الطريقة الوحيدة اللي بتخليني جزء من فرحتهم، بس بصراحة، لا أشعر أنها تشبه العيدية اللي كنا نأخذها ونحن صغار. كان للعيدية معنى مختلف عندما تعطى باليد”.
ويشاركها الرأي أحمد (45 عاماً) مغترب أيضاً بألمانيا، إذ يرى في حديث مع لـ”963+” أن التكنولوجيا سهّلت إرسال العيديات، لكنها لم تعوّض دفء اللقاء العائلي. ويعلق: “صرت أرسل عيديات رقمية لأني بعيد، لكنها تبقى وسيلة عملية أكثر من كونها شعوراً حقيقياً. الأطفال يفرحون، لكنني أشعر أن شيئاً من روح المناسبة ضاع”.
ورغم سهولة التحويلات الرقمية، لا يزال كثيرون متمسكين بالشكل التقليدي للعيدية، معتبرين أن جزءاً كبيراً من فرحتها يرتبط بالتفاصيل الصغيرة، كعدّ النقود، أو وضعها داخل الجيب، أو التفاخر بها أمام الأصدقاء.
أم محمد (أم لثلاثة أولاد) تؤكد أن العيدية النقدية ما زالت تحمل قيمة رمزية لا يمكن تعويضها. وتوضح: “أحب أن أعطي العيدية بيدي، وأرى فرحة الأطفال وهم يفتحون أيديهم ويعدون العيدية التي جمعوها خلال العيد، ولكن الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها اليوم حرمتنا نحن الكبار من تقديمها للأطفال”.
وتضيف أم محمد لـ”963+” أن العيدية ليست مجرد مبلغ مالي، بل جزء من الذاكرة الاجتماعية للعيد: “حتى لو كانت بسيطة ومبلغ رمزي صغير، المهم شعور الطفل أنه حصل على عيدية مثل كل عام”.
وتتابع: “تلجأ الناس المغتربين حالياً إلى تقديم العيديات عبر البنوك أو شركات التحويل الرقمي، والكثير من الأطفال لا يحصلون عليها لأن الأهل يتصرفون بالمبلغ كاملاً، من المؤكد أن الأهل يصرفونها على الأولويات واحتياجات الطفل، ولكن الطفل فقد الإحساس بفرحة العيدية”.
إلى جانب التحول الرقمي، يبدو أن العامل الاقتصادي بات حاضراً بقوة في هذا التقليد الاجتماعي. فارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية أثّرا على حجم العيديات، بل وعلى إمكانية تقديمها أصلًا لدى بعض الأسر.
حنين (طالبة في المرحلة الإعدادية)، تشير إلى تغيّر واضح عمّا اعتادت عليه في طفولتها، قائلة: “كنت زمان أجمع عيديات كثيرة من الأقارب، أما الآن فالوضع مختلف. بعض الأقارب يعتذرون أو يعطون مبالغ أقل بسبب الظروف”.
وتضيف لـ”963+” أن الأمر لا يقتصر على قيمة العيدية فقط، بل على وجودها أيضاً: “لديّ صديقات لا يحصلن على عيدية أحياناً، لأن ظروف أهلهم أو أقاربهم صعبة”.
أما شادي (35 عام) فيقول إن الأزمة الاقتصادية انعكست بشكل مباشر على طقوس العيد لدى كثير من العائلات، في السابق كان الجميع تقريباً يحصل على عيدية، حتى لو كانت صغيرة، أما الآن فهناك من يفضّل تقليل المصاريف الأساسية، والعيدية تصبح أمراً ثانوياً.
ورغم التحول نحو العيدية الرقمية أو البدائل الحديثة، لا يزال الأطفال يفضلون العيدية النقدية لما تمنحه من متعة الجمع والإنفاق، ما يجعل الشكل التقليدي جزءاً أساسياً من تجربة العيد لديهم.
طارق (26 عام) وهو خريج جامعة وموظف في شركة تحويلات مالية، يرى في تصريحات لـ”963+” أن شكل العيدية قد يختلف بحسب الفئة العمرية، موضحاً: “بالنسبة للصغار، أعتقد أن الكاش أجمل لأنه بيعطيهن شعور خاص بالفرح. أما الكبار أو الشباب فقد يكون التحويل الإلكتروني أكثر عملية، خاصة للمغتربين والمسافرين”.
ويضيف أن التكنولوجيا غيّرت طريقة تقديم العيدية، لكنها لم تُلغِ فكرتها الأساسية، وهي إدخال السرور إلى النفوس في مناسبة اجتماعية ودينية مهمة، والدليل الحوالات المالية الضخمة التي يرسلها المغتربين لأقاربهم وأصدقائهم قبل العيد.
من جهته، يستعيد أبو خالد (متقاعد في الستين) ذكريات العيد في طفولته، ويقول لـ”963+” حين كانت العيدية بسيطة لكنها حاضرة للجميع تقريباً. ويقول: “زمان لم تكن المبالغ كبيرة، لكن الأطفال كانوا يفرحون بأي شيء. اليوم الوضع أصعب، وهناك أطفال قد ينتظرون العيدية ولا يحصلون عليها بسبب الظروف”.
رغم التحولات الاقتصادية والتقنية، تبقى العيدية ذات قيمة اجتماعية وإنسانية مرتبطة بالمحبة وصلة الرحم أكثر من شكلها، إذ انتقلت من الظرف الورقي إلى التحويل الرقمي دون أن تفقد رمزيتها، ما يفتح سؤالاً حول ما إذا كان التغيير طال الشكل فقط أم امتد لفرحة العيد نفسها في وجدان المنتظرين.










