في بلدٍ امتدت جذوره الحضارية إلى آلاف السنين، حيث وُلدت أولى أبجديات الكتابة على ألواح الطين في أوغاريت، لا يبدو الخزف مجرد حرفة تقليدية أو فنّ تطبيقي عابر، بل امتداداً حيّاً لذاكرة ثقافية عميقة شكّلت جزءاً من هوية الإنسان السوري عبر العصور. فمن الطين الذي احتضن اللغة الأولى، إلى القطع الخزفية التي ما تزال تُصاغ اليوم بأيدي الفنانين، يواصل هذا الفن رحلة طويلة تربط الماضي بالحاضر، وتعيد سرد حكاية المكان والإنسان في كل قطعة تتشكل بالنار والصبر والإبداع.
ورغم ما يواجهه هذا الفن من تحديات متراكمة، تبدأ بارتفاع تكاليف الإنتاج ولا تنتهي عند ضعف الدعم المؤسسي وتراجع التعليم المتخصص، ما يزال الخزف السوري يحتفظ بمكانته بوصفه شاهداً على تنوع الحضارات التي تعاقبت على البلاد، ومرآة تعكس تداخل الجمال بالوظيفة، والتراث بالمعاصرة.
وبين محاولات الحفاظ على هذا الإرث وإعادة توظيفه في الحياة اليومية، يبرز حضور فنانين وخزّافين سوريين يسعون لإبقاء هذا الفن حياً في الذاكرة والممارسة معاً.
وترى الفنانة التشكيلية والخزّافة السورية سناء فريد، صاحبة تجربة تمتد لأكثر من ربع قرن، أن الخزف ليس مجرد مهنة، بل “فن تراثي جدير بأن نستعيده في بيوتنا”، لما يحمله من قيمة ثقافية وجمالية مرتبطة بالهوية السورية.
بداية الحكاية.. من ذاكرة الطفولة إلى احتراف الخزف
لم تدخل الفنانة التشكيلية والخزّافة سناء فريد عالم الخزف عبر دراسة أكاديمية متخصصة منذ البداية، بل جاءت علاقتها بهذا الفن من تداخل الذاكرة الشخصية مع التجربة المهنية.
توضح فريد في حديثها لـ”963+” أنها درست إدارة الأعمال، قبل أن تعمل في مديرية الفنون الجميلة التابعة لوزارة الثقافة، كمديرة مكتب في المديرية المسؤولة عن المراكز الثقافية والفنون التشكيلية والتطبيقية في سوريا، بما يشمل الرسم والنحت والخزف وسائر الفنون البصرية.
وتقول إن احتكاكها اليومي بالمادة الفنية داخل المديرية أعاد إليها ذكريات الطفولة، حين كانت تقيم في منطقة الطلياني بدمشق بالقرب من “الفاخورة”، حيث كانت تراقب بشغف صناعة الفخار والخزف دون أن تدرك حينها أن تلك الصور ستعود لاحقاً لتشكّل جزءاً من مسيرتها الفنية.
وتضيف أن وجود مديرية الفنون في منطقة جادة أحمد منقّز، بالقرب من مركز وليد عزّت للفنون التطبيقية، شكّل نقطة التحول الحقيقية في حياتها، إذ قررت الالتحاق بالمركز والتدرب على فن الخزف، لتبدأ رحلة تعليم امتدت لعامين.
غير أن موهبتها برزت سريعاً؛ فبعد نحو ستة أشهر فقط من التدريب، أنجزت مجموعة من الأعمال الخزفية التي لفتت انتباه كبار الفنانين التشكيليين السوريين الذين كانوا يزورون المديرية باستمرار، ما أسهم في ترشيحها مباشرة إلى النقابة الفنية في وقت مبكر من تجربتها.
وترى فريد أن تلك المرحلة شكّلت حجر الأساس في علاقتها بالخزف، وأسهمت في صقل موهبتها على يد أسماء بارزة في الفن التشكيلي السوري، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من التجريب والعمل والإنتاج الفني.
حضارات متعاقبة صنعت هوية الخزف السوري
لا يمكن الحديث عن الخزف السوري دون التوقف عند أثر الحضارات المتعاقبة التي تركت بصمتها على هذه الصناعة. فبحسب فريد، فإن التنوع الحضاري الذي شهدته سوريا، من الفينيقيين والرومان والبيزنطيين وصولاً إلى الحضارة الإسلامية، أسهم في صياغة هوية فنية غنية للخزف.
وتوضح أن اللوحات الفسيفسائية المنتشرة في محافظات مثل السويداء وحماة وحلب والرقة تمثل أحد أهم مصادر الإلهام الفني، لما تحمله من تنوع في الألوان والزخارف والموضوعات.
كما لعبت دمشق القديمة دوراً محورياً في تشكيل رؤيتها الفنية، عبر زخارفها المعمارية والقيشاني الدمشقي والتكايا والمساجد التاريخية، مثل الجامع الأموي والتكية السليمانية، التي تمثل نموذجاً حياً لتداخل الفن بالعمارة.
وتضيف أن البيوت الدمشقية القديمة، بما تحتويه من جداريات وزخارف وعناصر فنية، شكّلت مرجعاً بصرياً مهماً انعكس على أعمالها، خاصة في اللوحات الخزفية والفسيفسائية التي تنجزها.
من أدوات منزلية إلى أعمال فنية
شهد الخزف خلال العقود الأخيرة تحولاً مهماً، فلم يعد مقتصراً على الأواني والأدوات المنزلية، بل أصبح فناً بصرياً يُقتنى للزينة والتعبير الجمالي.
وتؤكد فريد أن الناس بدأوا يميلون مجدداً إلى استعادة روح التراث داخل منازلهم، عبر استخدام القطع الخزفية واللوحات والقيشاني المستوحى من العمارة الدمشقية القديمة، لمنح البيوت الحديثة طابعاً شرقياً خاصاً.
وتوضح أن أعمالها الفنية تتنوع بين الصحون والمزهريات والأعمال الوظيفية، إلا أن الجزء الأكبر من تجربتها يذهب نحو اللوحات الخزفية الفسيفسائية التي تجمع بين الفن التطبيقي والفن التشكيلي، عبر تكوينات قائمة على قطع صغيرة من الخزف تُرتب ضمن وحدات بصرية متكاملة.
كما تعمل حالياً على تنفيذ جداريات ضخمة يصل طول بعضها إلى اثني عشر متراً، لتزيين مداخل الأبنية الحديثة، في محاولة لإعادة دمج الخزف داخل العمارة المعاصرة بوصفه عنصراً جمالياً أصيلاً.
كيف تُصنع القطعة الخزفية؟
تمر صناعة الخزف بمراحل دقيقة تبدأ من الطين وتنتهي بقطعة فنية متكاملة.
تبدأ العملية بتحضير الطين وغسله وتنقيته من الشوائب، ثم عجنه بالماء للحصول على قوام متجانس وخالٍ من فقاعات الهواء. بعدها تأتي مرحلة التشكيل، سواء باستخدام الدولاب اليدوي أو الكهربائي، أو بالطرق التقليدية المعتمدة على الحبال الطينية والشرائح.
ثم تُترك القطعة لتجف قبل إدخالها إلى الفرن في الحرق الأول المعروف باسم “البسكويت”، الذي يمنحها الصلابة الأولية.
بعد ذلك تأتي مرحلة التزجيج، حيث تُلوّن القطعة عبر الألوان المزججة باستخدام الرش أو الغمس أو الفرشاة، لتدخل بعدها مرحلة الحرق الثاني بدرجات حرارة مرتفعة قد تتجاوز ألف درجة مئوية.
وتصف فريد هذه المرحلة بأنها الأكثر حساسية، لأن أي خلل في تفاعل الأكسيد مع الحرارة قد يؤدي إلى تشققات أو فقاعات أو تقشر في السطح، ما قد يضطر الفنان إلى إعادة العمل من بدايته.
ألوان مستوحاة من التراث والطبيعة
تميّز الخزف السوري تاريخياً بغناه الزخرفي واللوني، إذ استخدمت فيه الأكاسيد المعدنية المختلفة، مثل النحاس والحديد والمنغنيز، لإنتاج ألوان ولمعان خاص.
وتنعكس روح التراث الشامي بوضوح في الزخارف المستخدمة، سواء النباتية المستوحاة من أوراق العنب وأشجار السرو والوردة الشامية، أو الهندسية كالنجوم والمضلعات المتأثرة بالعمارة الإسلامية.
كما تحضر الكتابات العربية بقوة في الأعمال الخزفية، من خلال الآيات القرآنية والأبيات الشعرية والأمثال الشعبية، بما يمنح القطعة بعداً ثقافياً وروحياً يتجاوز الجانب الجمالي.
وتختلف أنواع الطين المستخدمة بحسب المناطق السورية؛ فبعضها غني بأكسيد الحديد الذي يمنح القطعة ألواناً ترابية دافئة، فيما تشتهر محافظة الرقة بالطين الأبيض المستخدم في صناعة الفخار والخزف.
التكنولوجيا والتحديات
ورغم التطور التكنولوجي ودخول الإنتاج الصناعي الآلي إلى هذا المجال، ترى فريد أن الخزف اليدوي حافظ على خصوصيته، لأن القطعة الفنية المصنوعة يدوياً تبقى محمّلة بروح الفنان ولمسته الخاصة، وهو ما لا تستطيع المنتجات التجارية تقليده.
لكن التحديات ما تزال كبيرة، وعلى رأسها ارتفاع تكاليف الطاقة، إذ تعتمد صناعة الخزف بشكل أساسي على الغاز والكهرباء لتشغيل الأفران.
كما يشكل تأمين المواد المزججة والألوان المستوردة عبئاً إضافياً على الحرفيين، إلى جانب ضعف المعاهد التعليمية المتخصصة، خاصة بعد إغلاق قسم الخزف في كلية الفنون الجميلة.
وتشير فريد إلى أن عدد الخزافين المحترفين في سوريا محدود جداً، الأمر الذي يجعل الحفاظ على هذا الفن مسؤولية ثقافية ومؤسساتية مشتركة.
كيف نحافظ على الخزف السوري؟
تؤمن فريد أن حماية الخزف السوري تبدأ بتشجيع الأجيال الجديدة على تعلّمه، وافتتاح معاهد ومراكز متخصصة في المحافظات، إلى جانب إقامة المعارض والأسواق التي تتيح للحرفيين عرض أعمالهم والتعريف بهذا الفن.
فالخزف، كما تقول، ليس مجرد مادة تُشكّل بالنار والطين، بل تاريخ كامل للحضارة السورية، وفن يحمل صفة الديمومة، إذ إن معظم الاكتشافات الأثرية في سوريا لا تخلو من الفخار والخزف.
وفي بلدٍ تعلّمت البشرية فيه الكتابة على ألواح أوغاريت الطينية، يبقى الخزف أكثر من مجرد حرفة؛ إنه ذاكرة وطنٍ كاملة، صاغتها النار، وحفظها الطين، وورثتها الأجيال.










