يشهد الشرق الأوسط في آذار/مارس 2026 واحدة من أخطر مراحل الأزمات منذ عقود، حيث تصاعد الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى مستوى الحرب المفتوحة.
إذ بدأت هذه المواجهة في 28 شباط/فبراير 2026 بضربات جوية وصاروخية منسقة شنّتها واشنطن وتل أبيب على مواقع داخل إيران، مما اعتُبر تحولاً نوعياً في الصراع الإقليمي وأعاد رسم معادلات الردع في المنطقة.
وقد اتسع نطاق العمليات العسكرية ليشمل ضربات جوية على الدفاعات الإيرانية واستهداف قدراتها الصاروخية، تلاها ردود إيرانية عبر صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على أهداف أميركية وإسرائيلية، وهو ما أثار مخاوف من انزلاق المواجهة إلى نزاع إقليمي أوسع.
في هذه الأثناء، برزت تداعيات الحرب على الساحة الدولية، حيث سحبت بعض الدول بعثاتها الدبلوماسية، وتعالت مطالب أوروبية بعدم السماح لطهران بامتلاك سلاح نووي، في حين واصلت طهران التصعيد، معلنة أنها وحدها هي التي ستحدد نهاية المواجهة.
ومع هذه الذروة في التوترات، يكتسب التحليل الاستراتيجي لطبيعة المواقف الإيرانية بقيادة الدولة والضغوط الثلاثية الداخلية والخارجية أهمية متزايدة، لا سيما في ظل تساؤلات حول استمرار النظام الإيراني، حدود قدراته العسكرية، وطموحات النفوذ الإقليمي.
اقرأ أيضاً: الخليج في مرمى التصعيد.. إيران تنقل المعركة إلى القواعد الأميركية
إيران والحرب الإقليمية: أسباب واستراتيجية المواجهة
يقول الدكتور غازي فيصل حسين، أستاذ العلاقات الدولية المقيم في الأردن لــ”963+”، إن الصراع الإيراني الإقليمي يتسم بتعقيد شديد، حيث يتداخل البعد النووي مع الصاروخي، فضلاً عن شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران عبر الفصائل المسلحة في عدد من الدول العربية.
ويضيف حسين أن هذا المشهد المعقد يطرح سؤالاً جوهرياً حول أسباب إصرار إيران على استمرار المواجهة وعدم الانخراط في مفاوضات سياسية جديدة مع الولايات المتحدة، إضافة إلى طبيعة الدور الإسرائيلي وأهدافه ضمن الحرب.
ويرى أن الحوار التحليلي يستهدف فهم مرتكزات الموقف الإيراني، واستعراض أدوات القوة التي تعتمد عليها طهران، بالإضافة إلى مناقشة انعكاسات استراتيجيتها الإقليمية على الأمن العربي والدولي.
ويؤكد حسين أن القيادة الإيرانية تتبنى مقاربة تقوم على الاستمرار في المواجهة بدلاً من العودة إلى طاولة المفاوضات، ويعزو ذلك إلى عدة عوامل. أولها، اعتقاد طهران أن المسار الدبلوماسي مع واشنطن وصل إلى طريق مسدود بعد تعثر محاولات إحياء الاتفاق النووي خلال السنوات الأخيرة.
ويستطرد بأن أي مفاوضات جديدة قد تتطلب تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر مشروعها النووي وقدراتها العسكرية. ثانياً، يشير إلى أن طبيعة البرنامج النووي الإيراني وصلت إلى مستويات تخصيب مرتفعة تقترب من العتبة العسكرية، وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ثالثاً، يلفت إلى أن طهران تخشى أن تؤدي العودة إلى التفاوض إلى فرض قيود إضافية على برامجها العسكرية الأخرى، خصوصاً برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إضافة إلى شبكات النفوذ الإقليمية التي تعتمد عليها كأداة ردع غير تقليدية.
اقرأ أيضاً: هرمز في قلب العاصفة: تداعيات الحرب على أمن الطاقة العالمي
النفوذ الإقليمي للحرس الثوري والفصائل المسلحة
يضيف حسين أن إيران اعتمدت منذ عقود على استراتيجية بناء النفوذ الإقليمي عبر دعم فصائل مسلحة حليفة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، ويعتبر أن هذه الاستراتيجية مكّنت طهران من إنشاء خطوط دفاع متقدمة خارج حدودها الجغرافية، ونقل ساحة المواجهة مع خصومها إلى مناطق أخرى في الإقليم، فضلاً عن تعزيز قدرتها على الضغط السياسي والعسكري على خصومها الإقليميين والدوليين.
ويرى أن هذه السياسة أدت إلى تعقيد بنية الدولة في بعض الدول العربية، حيث امتلكت بعض الفصائل نفوذاً يفوق أحياناً مؤسسات الدولة الرسمية، كما هو الحال مع حزب الله في لبنان.
ويتابع حسين بأن “الحرس الثوري” الإيراني يلعب دوراً محورياً في إدارة التوازنات العسكرية والسياسية خارج الحدود الإيرانية، مشيراً إلى أن نشاطه يرتبط بمفهوم “تصدير الثورة”، الذي تقوم عليه الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها، ويهدف إلى نشر نموذج سياسي–أيديولوجي قائم على ولاية الفقيه.
ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية أدت إلى حالة من الاستقطاب الحاد في المنطقة، وزادت من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة بين إيران وخصومها.
ويضيف أن إسرائيل تعتبر البرنامج النووي الإيراني التهديد الاستراتيجي الأول لها، وتتبنى سياسة تمنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية، سواء عبر الضغوط السياسية أو العمليات العسكرية والاستخبارية، ويلاحظ أن هناك تقاطعاً واضحاً بين أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الفرق يكمن في الأساليب، إذ تميل واشنطن إلى استخدام الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية، بينما تعتمد إسرائيل خيارات أكثر صرامة تشمل العمليات العسكرية الاستباقية.
اقرأ أيضاً: من طهران إلى بيروت: إيران تدفع “حزب الله” إلى توسيع المواجهة الإقليمية
استقرار النظام الإيراني: ضغوط داخلية وخارجية
يشير حسين إلى أن مستقبل النظام السياسي في إيران يتأثر بتفاعلات معقدة بين الضغوط الخارجية، بما في ذلك عمليات الاستهداف النوعي للبنية التحتية والقيادات، والأزمات الداخلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الانقسامات داخل النخبة الحاكمة.
ويرى أن طبيعة النظام الإيراني منذ تأسيسه عام 1979، القائم على ولاية الفقيه والحرس الثوري والأجهزة الأمنية والاستخباراتية وشبكات النفوذ الإقليمي، منحته قدرة كبيرة على احتواء موجات الاحتجاج المتكررة.
ويضيف أن الأزمات البنيوية تشمل الوضع الاقتصادي، حيث يعيش أكثر من 35 مليون إيراني تحت خط الفقر نتيجة العقوبات الدولية، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وهو ما زاد من حدة السخط الشعبي.
كما يشير إلى موجات الاحتجاجات الشعبية التي قادها الشباب بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي واجهتها السلطات بإجراءات أمنية صارمة، مما أدى إلى سقوط ضحايا واعتقال آلاف المتظاهرين. ويستطرد حسين موضحاً أن القيود على الحريات السياسية والاجتماعية تزيد من صعوبة تحقيق تغيير سلمي داخل النظام.
ويشير حسين كذلك إلى التوترات القومية والإثنية في إيران، مثل مطالب الأكراد والعرب في الأهواز والبلوچ والأذريين، ويعتبر أن هذه التوترات لم تتحول حتى الآن إلى حركات انفصالية واسعة، لكنها تزيد من تعقيد المشهد الداخلي.
ويرى أن الضربات العسكرية الإسرائيلية أو الأميركية قد تؤدي إلى ثلاثة سيناريوهات: التماسك الوطني، أو تسريع الاحتجاجات، أو الانقسامات داخل السلطة، لكنه يؤكد أن احتمال الانقسام داخل النخبة الحاكمة ما يزال محدوداً بسبب قوة المؤسسات الأمنية والعسكرية.
اقرأ أيضاً: ما بعد الضربات الكبرى.. هل تتغير قواعد اللعبة في طهران؟
استراتيجية الفوضى الإيرانية وتداعياتها الإقليمية
يضيف حسين أن إيران تعتمد على استراتيجية الفوضى الإقليمية كأداة نفوذ، عبر خلق بيئات غير مستقرة سياسياً وأمنياً واقتصادياً في دول الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن، مشيراً إلى أن هذا يسمح لطهران بتوسيع نفوذها السياسي والعسكري دون مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى.
ويرى أن هذه السياسة أدت إلى تعقيد مؤسسات الدولة في بعض الدول وظهور ظاهرة “الدولة داخل الدولة”، خصوصاً في العراق ولبنان واليمن.
ويستطرد حسين موضحاً أن قدرات إيران العسكرية التقليدية محدودة مقارنة بالولايات المتحدة، بما في ذلك قدرات الطيران والدفاع الجوي، بينما تعتمد على الحرب غير المتكافئة عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وشبكات الوكلاء الإقليميين.
ويرى أن مستقبل الصراع يعتمد بشكل كبير على قدرة الأطراف على إدارة التوترات ومنع تحولها إلى حرب إقليمية شاملة.
من جهته يشير الدكتور محمود حسين، الخبير بالشؤون الدولية والعربية، لــ”963+” إلى أن إيران تهدف إلى توسيع نفوذها الإقليمي والضغط على خصومها، خصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية.
ويضيف أن طهران تحاول إظهار قدرتها على التأثير في مناطق استراتيجية، مثل شرق البحر المتوسط، الذي يضم احتياطيات غاز طبيعي كبيرة.
ويستطرد موضحاً أن التصعيد الإيراني قد يؤدي إلى توتر العلاقات مع تركيا، وتغيير ميزان القوى الإقليمي، أو توجيه رسائل سياسية لخصومها، مؤكداً أن الحوار والتعاون الإقليمي هما السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار والسلام، وأن المجتمع الدولي يجب أن يلعب دوراً فعالاً في مواجهة التحديات الإقليمية.










