في شهرٍ يُفترض أن يكون مساحةً للسكينة والروحانية ولمّ الشمل، تتسلل الشاشات إلى تفاصيل أيامنا وليالينا. إشعارات لا تتوقف، موائد مُصوَّرة، مثالية مُفلترة، ومقارنات صامتة قد تسرق من رمضان معناه الأعمق.
الباحثة الاجتماعية والمدربة والاستشارية في دمشق، د. شفاء صوان، ترى أن المشكلة ليست في وسائل التواصل بحد ذاتها، بل في طريقة حضورها في حياتنا، خصوصاً خلال الشهر الفضيل.
دقيقة حقيقية.. تساوي ساعات افتراضية
وتقول صوان في حديثها لـ”963+”: “لا يمكن لأي علاقة رقمية أن تعوّض العلاقة الحقيقية إذا بقيت محصورة في إطارها الافتراضي. أنا دائماً أقول إن دقيقة واحدة من علاقة حقيقية تساوي ساعات طويلة من علاقة افتراضية”.
بالنسبة لها، لحظات الجلوس مع العائلة أو الأصدقاء “وقت مقدّس” لا يُزاحمه هاتف. “الوجود الحقيقي لا يُعوّض” تضيف، معتبرة أن المشكلة تبدأ حين نفشل كعائلات في ترسيخ دفء الجو العائلي، فنترك أبناءنا ينجذبون أكثر إلى العالم الافتراضي.
وتشير إلى مفارقة واضحة: وسائل التواصل قرّبت البعيد أحياناً، لكنها في الوقت نفسه باعدت بين أشخاص يعيشون تحت سقف واحد، كلٌّ منهم غارق في عالمه الرقمي الخاص.
اقرأ أيضاً: من جريمة فردية إلى قضية اجتماعية: ماذا كشفت حادثة مقتل “أم زكي” – 963+
رمضان.. بين الروحانية والضجيج الرقمي
في رمضان تحديداً، تشعر صوان أن السوشيال ميديا قد تُضعف الأجواء الروحانية، معلقة: “رمضان فرصة للهدوء والسلام الداخلي. هذا العام قررت أن أتعامل مع الأمر كأنه ديتوكس من السوشيال ميديا… سأصوم عنها كما أصوم عن الطعام”.
وتستحضر هنا معنى الصوم بوصفه حالة سكون وصفاء، لا مجرد امتناع عن الطعام. الابتعاد عن الضجيج الافتراضي، برأيها، يعيد للإنسان تركيزه، ويمنحه قدرة أكبر على الإنجاز والتأمل والتواصل الحقيقي.
وترى أن ما تنشره بعض الحسابات من مشاهد “رمضانية مثالية” قد يخلق مشاعر مقارنة وإحباط لدى البعض. معقبة: “أحياناً يكون في ذلك كسر خواطر”، تقول، مشددة على أن الامتلاء الداخلي يغني عن الاستعراض.
الإفطار.. لحظة لا تُصوَّر
تقدّس صوان مواعيد الإفطار، وتعتبرها لحظة تجمع استثنائية: “رمضان فرصة لأن نأكل مع الناس، ونفرح مع الناس، ونتحدث مع أقرب الناس إلينا”.
وفيما يتعلق بتصوير موائد الإفطار ونشرها، تعلن موقفاً واضحاً: “أنا ضدها تماماً أراها أمراً مؤلماً وغير إنساني، لأن هناك كثيرين محرومين لا يجدون ما يأكلونه”.
فالصوم، كما تراه، مرتبط بالزهد ومراجعة الذات والشعور بالآخرين، لا بالبذخ واستعراض الأصناف.
ومن زاوية صحية، تؤكد صوان أن الاستفادة الحقيقية من الصيام تتحقق عندما يحافظ الإنسان على إيقاع طبيعي للنوم والنشاط، فتقول: “النهار هو وقت العمل والحركة. أما السهر الطويل والنوم طوال النهار، فهو صيام شكلي لا يحقق أبعاده الصحية أو الروحية”.
وترى أن رمضان فرصة حقيقية لتنظيف الجسد إذا رافقه وعي غذائي، بعيداً عن الإفراط. كما تعتبر أن الصوم يعزز قوة الإرادة: “عندما ألتزم بالصيام، أبرمج نفسي على قول لا بوعي وثبات”.
اقرأ أيضاً: الموسم الدرامي 2026 حافل.. رؤية درامية جديدة – 963+
هل الحل في “الصوم الرقمي”؟
عن الضغط الاجتماعي غير المباشر الذي تخلقه المنصات خلال الشهر، تجيب صوان بثقة: “الأفضل أن نصوم عنها. أن نحمي سلامنا الداخلي”.
بالنسبة لها، التوازن يبدأ بخطوات بسيطة: إبعاد الهاتف عن مائدة الطعام والخروج إلى الطبيعة واللقاء المباشر دون وسيط وخلق لحظات إنسانية بلا تصوير
وتؤكد أن وسائل التواصل يمكن أن تكون جسراً للتقارب، لكنها قد تتحول إلى حاجز يعمّق العزلة، تبعاً لطريقة استخدامها.
ومن أكثر ما يؤلمها، كما تقول، تحوّل بعض مبادرات الخير إلى مادة استعراضية. “العمل الصالح سرّ بين العبد وربه. الأجمل أن نساعد الناس دون تصويرهم أو إعلان أسمائنا”.
رمضان، برأيها، شهر المواساة والإلفة: أن يجلس الغني مع الفقير، أن يُجبر الخاطر، أن يُقدَّم العطاء بصمت يحفظ كرامة المحتاج.
في النهاية ترى د. شفاء صوان أن رمضان فرصة لإعادة ترتيب الأولويات: داخلياً، وروحياً، وجسدياً، واجتماعياً.
حين ينشغل الإنسان بالتدبر، وبالعلاقات الحقيقية، وبالعطاء الصادق، لن يبقى لديه وقت كبير للعالم الافتراضي. سيكتشف أن الامتلاء الحقيقي لا يأتي من عدد المتابعين، بل من لحظة صفاء، من لمّة عائلة، من قلب مطمئن.










