مع بدء موسم الدراما السورية لعام 2026، تبدو الصورة أكثر ثراءً وتنوعاً من أي موسم سابق، إذ يترافق الزخم العددي للأعمال مع تحولات نوعية واضحة في مضمونها وطريقة تقديمها، بحسب ما يوضح الناقد الفني أمين حمادة في حديثه لـ”963+”.
ويشير حمادة إلى أن عدد الأعمال الدرامية هذا الموسم يُعد جيداً، لكنه ليس رقماً قياسياً جديداً، فالدراما السورية على مدار السنوات العشر الماضية وصلت أحياناً إلى أعداد مماثلة، إلا أن الزخم الحالي يأتي مترافقاً مع توجهات جديدة في المحتوى وطريقة العرض.
ويضيف: “من ناحية العدد، الدراما السورية عم توصل لهذا الرقم منذ سنوات، لكن ما يميز الموسم الحالي هو التنوع في النوعية والمضمون”.
ويتابع حمادة يبرز هذا الموسم تحوّل واضح في طبيعة البطولة الدرامية، إذ انتقلت من التركيز على الشخصية بالدرجة الأولى إلى البطولة للأحداث وتكثيفها وتصاعدها.
سرعة وأحداث صادمة
ويلاحظ الناقد أن معظم الأعمال الجديدة، سواء المعروضة في العالم العربي عبر شاشات التلفزيون أو على المنصات الرقمية مثل Netflix، تعتمد على سرعة الحدث، الأحداث الصادمة، وترك أسئلة مفتوحة في نهاية كل حلقة، معقباً: “هذا أكثر ما تطور بالنص، فالمشاهد بات يتابع الأحداث بشكل متسارع، بينما تبقى الشخصيات متصلة بخطوطها الأساسية، لكنها تأخذ منحى آخر”.
ورغم هذا التحوّل، يشير الناقد إلى أن التجديد في البناء السردي يستحيل الحكم عليه من أول حلقة، لكنه يلحظ بعض الملامح الجديدة. كما أن التقنية دخلت بقوة، فمشاهد بعينها سيتم عرضها باستخدام الذكاء الاصطناعي لتجسيد شخصيات معينة على الشاشة، بما يضيف بعداً بصرياً جديداً دون الإضرار بعمق النص.
ويعلق: “التركيز صار أكبر على الصورة والإخراج، نعم، لكن بعد النص، لأنه أساس العملية الإبداعية”.
ويُعدّ موسم 2026 أيضاً موسماً ذا طابع تحليلي وصحفي، حيث تعالج الأعمال قضايا حساسة تمس تاريخ المرحلة الماضية والحاضرة، مثل مسلسلات: الخروج إلى البئر والسوريون والأعداء، وحتى بعض الإنتاجات العربية المعروضة في رمضان.
ويشير حمادة إلى أن هذه الأعمال تتناول مواضيع شائكة، وتفتح ملفات لم تُطرح سابقاً، فيما يعلق: “حتى لو لم تُعرض بعض الأعمال مثل السوريون الأعداء، فبالتأكيد أنها كانت ستصنع أثراً مهماً من ناحية المضمون والصورة والإخراج والأداء”.
ومن أبرز ملامح الموسم أيضاً عودة عدد من الممثلين السوريين إلى التصوير داخل سوريا، وعلى رأسهم سامر المصري، وهو ما يعكس تحوّلاً في البيئة الإنتاجية بعد حرمان طويل لبعض الأعمال من المشاركة المحلية.
ومع ذلك، يلاحظ حمادة غياباً واضحاً للكاتبات، حيث تقلّص حضور النساء في الكتابة الدرامية مقارنة بالماضي. ويشير إلى أسماء بارزة كانت حاضرة في السنوات الماضية واليوم هن غائبات عن المشهد، ما يؤثر على تنوع الرؤى.
دور الترند
ومن الجوانب المثيرة للجدل، يلفت الناقد إلى اعتماد بعض الأعمال على التمثيل الصارخ أكثر من النص، خاصة في الأعمال الرمضانية. “كثير من الممثلين يعملون بطريقة تجعل الجمهور يعرف كل التفاصيل مسبقاً، سواء من خلال تقليد شخصية معينة، أو مشهد صادم، أو حتى تصرّف مثير للانقسام، وغالباً يكون استعراضاً أكثر من كونه عملاً متكاملاً”، يوضح حمادة.
ويضيف أن هذه الظاهرة مرتبطة بالترند، فـ”الترند صار هدفاً في الحد ذاته، وصار جزءاً من شروط اللعبة الإنتاجية، والعالم يريد استخدام أي وسيلة لضمان الانتشار”.
ويشير إلى أن هذا التطور الرقمي أثر سلباً على ذائقة الجمهور، حيث بات الصبر على الأعمال الهادئة والعميقة أقل، بينما يتجه التركيز نحو الكم الكبير من الإنتاج.
وينتقل حمادة إلى مسألة الكم مقابل الجودة، موضحاً أن مشاركة الممثل نفسه في خمس أو ستة أعمال في الموسم الواحد يؤدي إلى استنزاف قدراته. “مستحيل أن يبدع الممثل في كل هذه الأعمال، مستحيل أن يغير جلده، مستحيل أن يصل إلى مستوى فني مبهِر في جميع الأعمال”، يقول. بينما لو كان الممثل يركز على عمل أو عملين فقط، فالأداء سيكون أفضل بكثير.
ويشير الناقد إلى أن المبالغة في تسويق الأعمال تؤثر على عنصر المفاجأة، حيث يعرف الجمهور معظم الكركترات مسبقاً، وتخف حدة الصدمات الدرامية. كما أن بعض المشاهد الصادمة أحياناً تُصوَّر بطريقة غير مسؤولة، مثل مشاهد حرق سيارات في أحياء مأهولة، ما أثار احتجاجات السكان على وسائل التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، يؤكد حمادة أن هذه الأمور خارجة عن سؤال الأثر الدرامي الحقيقي، فالأهمية تظل في المضمون والصورة والإخراج والأداء، وليس في الحملات التسويقية وحدها.
ويصف حمادة موسم 2026 بأنه موسم متكامل من حيث الزخم العددي والتحولات النوعية، مع مزيج من الجرأة والحذر، واهتمام أكبر بالصورة والإخراج دون التفريط بالنص. كما أنه يعكس تحولات واضحة في البناء السردي، حيث تنتقل البطولة من الشخصية إلى الحدث، ويشهد الجمهور استخداماً متنامياً للتقنيات الحديثة بما فيها الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، خصوصاً في ما يتعلق بالترند، وزيادة الكم على حساب الجودة، وتراجع حضور الكاتبات.
ويختتم حمادة حديثه مؤكّداً أن “الدراما السورية اليوم في لحظة مفصلية، فهي تجمع بين جرأة الماضي، وحذر الحاضر، وزخم الإنتاج، وتحولات السرد، والتقنيات الحديثة، وكل ذلك ضمن رؤية جديدة يمكن أن تُعيد تعريف صناعة الدراما في المنطقة”.










