شهد المجتمع السوري مؤخراً صدمة كبيرة بعد مقتل الفنانة هدى الشعراوي “أم زكي” على يد خادمتها الأجنبية، وهي حادثة لم تكن مجرد جريمة فردية، بل كشفت عن عمق التعقيدات في العلاقات بين النساء السوريات والعاملات الأجنبيات داخل البيوت. هذه العلاقات، التي تبدو في ظاهرها علاقة عمل يومية، تحمل في جوهرها أبعاداً اجتماعية وثقافية ودينية ولغوية تجعلها أكثر هشاشة مما يُتصور. فالاختلافات في الخلفيات الثقافية والدينية، إلى جانب غياب الحماية القانونية الكافية للعاملات، يخلق أحياناً مسافة اجتماعية أو سوء فهم قد يتطور إلى توتر خطير. ومن هنا، يصبح تناول هذه القضية ضرورة لفهم كيف تتقاطع أدوار النساء في المجتمع السوري بين كونهن صاحبات عمل وعاملات، وكيف يمكن بناء علاقة أكثر إنسانية وعدالة في ظل هذه التحديات.
ورغم سنوات النزاع والعقوبات التي شهدتها سوريا منذ عام 2011، فإن وجود العاملات الأجنبيات في المنازل ليس ظاهرة حديثة، إذ يعود إلى ما قبل الحرب بسنوات. وبحسب تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة عام 2003، قُدّر عدد العاملات المنزليات الأجنبيات في سوريا آنذاك بما بين 10 آلاف و15 ألف عاملة، معظمهن من إندونيسيا والفلبين وإثيوبيا، حيث جرى استقدامهن غالباً عبر وعود برواتب أفضل مقارنة ببلدانهن الأصلية، دون إدراك كامل لطبيعة الظروف المعيشية والأمنية داخل البلاد.
وفي تعليقها على الحادثة، تؤكد الباحثة الاجتماعية الدكتورة شفاء رضوان أن الاختلافات الثقافية أو الدينية لا يمكن أن تكون مبرراً لأي شكل من أشكال سوء المعاملة، وتشدد على أن احترام الإنسان يجب أن يبقى الأساس في علاقات العمل والتعامل الاجتماعي.
وتشير إلى أن المعطيات المتداولة حول القضية تتحدث عن تعرض العاملة الأجنبية لإساءات لفظية وسوء معاملة نفسية، ما ساهم في تصاعد التوتر وانتهى بوقوع الجريمة.
وتضيف رضوان لـ”963+” أن المجتمع السوري تقليدياً لا يعتمد بشكل واسع على العمالة المنزلية الأجنبية المقيمة داخل المنازل، إذ تميل معظم الأسر إلى الاستعانة بعاملات من البيئة المحلية وبنظام العمل غير المقيم، الأمر الذي يقلل من الاحتكاك اليومي المباشر. إلا أن انتشار نمط العمالة الأجنبية المقيمة، في ظل غياب تشريعات واضحة، أوجد ثغرات اجتماعية وقانونية ساهمت في بروز مثل هذه الحوادث.
وتشير إلى أن العلاقة بين النساء السوريات والعاملات الأجنبيات تحمل أبعاداً مزدوجة: فهي من جهة تساعد المرأة العاملة على التوفيق بين العمل والأسرة، لكنها من جهة أخرى قد تعزز الفوارق الطبقية وتخلق توتراً ثقافياً بين الأسرة والعاملة.
كما تلفت إلى أن غياب تشريعات واضحة لحماية حقوق العاملات يجعل العلاقة غير متوازنة ويعرّضهن للاستغلال
وتبين الباحثة الاجتماعية أن المشكلة الأساسية تتمثل في غياب قوانين تنظم عمل العمالة المنزلية وتحمي حقوق العاملات وأصحاب العمل معاً، خاصة في حالات التعرض للعنف النفسي أو الجسدي أو الاستغلال، ما يترك العلاقة دون مرجعية قانونية واضحة.
وتقترح رضوان مجموعة من الإجراءات للحد من تكرار هذه الحوادث، أبرزها إعداد تشريعات خاصة تنظم قطاع العمل المنزلي وتحدد الحقوق والواجبات، وإلزام العقود الرسمية التي توضح ساعات العمل والإجازات والأجور، إضافة إلى إنشاء جهات رقابية أو خطوط ساخنة لتلقي الشكاوى بسرية، وتنظيم برامج توعية لأصحاب العمل حول أسس التعامل الإنساني والمهني، إلى جانب توفير مراكز دعم نفسي وقانوني للعاملات الأجنبيات.
وتختم رضوان بالتأكيد أن معالجة هذه القضية لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تتطلب أيضاً تعزيز ثقافة احترام الآخر ونشر الوعي المجتمعي بحقوق الإنسان، بما يسهم في بناء علاقات عمل أكثر توازناً وعدالة داخل المجتمع.
من حادثة جنائية إلى نقاش حول أمان المنزل
من جانبها تقول الكاتبة والمحللة تمارا حداد المقيمة في عمان إن قضية مقتل الفنانة السورية هدى الشعراوي تجاوزت كونها حادثة جنائية معزولة، لتفتح نقاشاً اجتماعياً أوسع حول طبيعة العلاقات المعقدة بين النساء السوريات والعاملات الأجنبيات داخل المنازل، وهي علاقات تتداخل فيها آثار الحرب والهجرة والتحولات الاقتصادية مع الفوارق الثقافية والطبقية.
وتضيف حداد لـ”963+” أن وقوع الجريمة داخل المنزل، الذي يُفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا للنساء، حوّل الحادثة إلى مرآة تكشف توترات كامنة في علاقة تقوم على القرب اليومي الشديد مقابل اختلافات عميقة في اللغة والعادات والقيم وأنماط الحياة.
وتلفت إلى أن ازدياد اعتماد بعض العائلات السورية على العاملات الأجنبيات يرتبط بتغيرات اقتصادية واجتماعية بعد الحرب، منها خروج عدد من السوريات من العمل المنزلي واتجاههن إلى قطاعات أخرى أو الهجرة، وتضيف إلى اعتبارات طبقية تجعل العاملة الأجنبية تُنظر إليها باعتبارها أكثر خضوعًا للسلطة المنزلية مقارنة بالعاملة السورية.
نمط الإقامة والعمل بين العاملات السوريات والأجنبيات
تبين حداد أن الإقامة الدائمة للعاملات داخل المنازل، مع ضعف التواصل الثقافي واختلاف مفاهيم الخصوصية والعادات اليومية، تخلق بيئة حساسة قد تولّد سوء فهم واحتكاكات متكررة، ما يجعل العلاقة متأرجحة بين القرب الإنساني والبعد الاجتماعي.
وتؤكد أن الحادثة كشفت هشاشة بنيوية في هذه العلاقة نتيجة غياب إطار قانوني واضح يحمي الطرفين، واعتمادها غالبًا على الثقة الشخصية بدل التنظيم المهني، إلى جانب عزلة العاملة واختلال توازن القوة داخل المنزل.
وتختم حداد بالقول إن المطلوب ليس الخوف من العاملات الأجنبيات، بل إعادة تنظيم العمل المنزلي قانونياً وتحسين شروطه، وتعزيز التدريب على التواصل الثقافي، بما يحوّل العلاقة من تبعية شخصية إلى علاقة عمل واضحة الحقوق والواجبات، أكثر أماناً وعدلاً للطرفين.










