بعد 79 عاماً على انطلاق صوت “هنا دمشق”، تعود إذاعة دمشق لتطرح نفسها بحلّة جديدة تجمع بين الإرث العريق ومتطلبات المشهد الإعلامي المعاصر، في محاولة للحفاظ على جوهر الصوت الإذاعي والانفتاح في الوقت نفسه على الوسائط المرئية والمنصات الرقمية.
وفي هذا السياق، كان لـ”963+” لقاءات مع مدير إذاعة دمشق الأستاذ محمد الشيخ، ومدير المذيعين الأستاذ علاء الدين فطراوي، للحديث عن فلسفة التحوّل إلى البث المرئي، وأهمية الأرشيف الإذاعي، ومعايير اختيار الأصوات الجديدة، والتحديات المهنية والإنسانية التي تواجه الإذاعة اليوم، في مرحلة تسعى فيها لأن تكون معاصرة دون أن تفقد صوتها.
الحفاظ على جوهر الإذاعة
ويؤكد مدير إذاعة دمشق، الأستاذ محمد الشيخ، أن تحوّل الإذاعة إلى البث المرئي لا يُعد خروجاً عن هويتها التاريخية، بل جاء استجابة طبيعية لتحوّلات المشهد الإعلامي، ولا سيما في ظل تغيّر أنماط التلقي لدى الأجيال الشابة التي باتت تتفاعل بشكل أكبر مع المحتوى المرئي عبر المنصات الرقمية.
ويوضح الشيخ، في حديثه لـ”963+”، أن الهدف الأساسي من إطلاق البث المرئي هو توسيع دائرة الوصول إلى الجمهور، مع التشديد على الحفاظ على جوهر إذاعة دمشق القائم على الصوت والكلمة والأداء الإذاعي والإيقاع الخاص الذي ميّزها على مدى عقود، لافتاً إلى أن المرئي صُمّم ليكون عنصراً مكمّلاً للصوت لا بديلاً عنه.
ويضيف أن الراديو سيبقى وسيط خيال بامتياز، معتبراً أن الصورة قد تغيّر طريقة التلقي، لكنها لا تُلغي قدرة الصوت على تحفيز المخيّلة، مشيراً إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق توازن ذكي، تكون فيه الصورة غير مهيمنة، بل داعمة للقصة الصوتية ومعزّزة لها.
وحول أرشيف الإذاعة، يشدد الشيخ على أنه يمثل ذاكرة وطنية قبل أن يكون مادة إعلامية، موضحاً أن هناك توجّهاً واضحاً لرقمنته وإعادة إحيائه، سواء عبر بث برامج مختارة بصيغتها الأصلية أو من خلال معالجات جديدة تُعرّف الأجيال الحالية على الأصوات والتجارب التي صنعت تاريخ إذاعة دمشق.
ويبيّن أن حداثة إذاعة عمرها 79 عاماً تُقاس بقدرتها على التجدد دون فقدان هويتها، سواء على مستوى لغة الخطاب أو القضايا المطروحة أو آليات الإنتاج، معتبراً أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تُستخدم كأدوات ترويج فحسب، بل كمنصات تفاعلية لإعادة النبض إلى الإذاعة وبناء علاقة مباشرة ومستدامة مع الجمهور.
ويشير الشيخ إلى وجود ثوابت لا يمكن المساس بها مهما تطورت الوسائل، في مقدمتها مصداقية الكلمة، واحترام المستمع، واللغة الرصينة، والالتزام بالدور الثقافي لإذاعة دمشق، معتبراً أن أي تطوير لا ينطلق من هذه القيم يفقد معناه الحقيقي.
وعن الصعوبات التي رافقت إعادة الإطلاق، يوضح أن التحديات كانت تقنية وبشرية في آن معاً، إذ تطلّبت العملية بنية تقنية جديدة، وتدريب كوادر، وإعادة تنظيم أساليب العمل، إضافة إلى الحرص على توفر شروط أساسية في المذيعين، أبرزها سلامة اللغة، والثقافة العامة، والحضور الصوتي، والقدرة على التكيّف مع البث المرئي دون فقدان الحس الإذاعي.
أصوات جديدة
من جهته، يوضح مدير المذيعين في إذاعة دمشق علاء الدين فطراوي أن أكثر الأخطاء شيوعاً لدى المتقدمين للعمل الإذاعي هو التركيز على التصنّع بدل التواصل الحقيقي، سواء عبر المبالغة في تفخيم الصوت، أو تقليد مذيعين معروفين، أو إلقاء النصوص بأسلوب خطابي جامد يفتقر إلى الإحساس والطبيعية.
ويقول فطراوي، في حديثه لـ””963+”، إن من الأخطاء المتكررة أيضاً ضعف اللغة العربية ومخارج الحروف، والخوف الزائد من الميكروفون، إلى جانب قلة الثقافة العامة وعدم متابعة الشأن العام، معتبراً أن الصوت الجميل وحده لا يكفي لصناعة مذيع ناجح.
ويشير إلى أن اختيار المذيعين الجدد يتم عبر عملية منظمة تبدأ بالإعلان عن الحاجة لأصوات جديدة من خلال روابط التوظيف التي تطلقها الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، مروراً بالاختبارات الصوتية والمقابلات الشخصية، وصولاً إلى الاختيار النهائي والتدريب، الذي قد يكون مكثفاً في بعض الحالات لتطوير المهارات الإعلامية.
ويبيّن فطراوي أن المعايير الأساسية لاختيار المذيع تشمل، إلى جانب جمال الصوت، الكفاءة المهنية في إدارة البث والارتجال، والثقافة العامة التي تمنح المذيع عمقاً وثقة، إضافة إلى مهارات التواصل والحوار، والحضور الرقمي، والقدرة على العمل تحت الضغط، وبناء شخصية وهوية واضحة تميّزه وتقرّبه من المستمع.
وحول أبرز الصعوبات، يلفت إلى أنها مزيج من المهني والإنساني، أبرزها تفاوت مستوى الأصوات الجديدة، والحفاظ على الهوية الإذاعية في ظل تغيّر ذائقة الجمهور وتسارع المحتوى، فضلاً عن الضغوط النفسية والمهنية التي تنعكس أحياناً على الأداء، إضافة إلى مشكلة الاستمرارية لدى بعض الأصوات التي تبحث عن شهرة سريعة.
ويؤكد فطراوي أن التحدي الأكبر يبقى في تحقيق التوازن بين التطوير والحفاظ على روح الإذاعة، موضحاً أن هناك آليات واضحة لذلك، من بينها وضع سقف لغوي واضح، والتفريق بين لغة البرامج، والتدريب المستمر، والمراجعة والتحرير، والاستماع للجمهور دون اللهاث وراء كل ترند، مضيفاً: “تطوّر اللغة لتبقى حيّة، لا لنفقد شخصيتنا؛ وإذاعة دمشق تحاول أن تكون معاصرة، لكن بهويتها هي”.










