اضطر فادي للاستدانة قبل نهاية الأسبوع، إذ لم يكفه ما اذخره على غير العادة رغم أن سعر صرف الدولار الأميركي لم يتغير منذ نحو شهر تقريباً.
ويشتكي فادي الحمادي (39 عاماً)، من سكان مدينة الرقة شمالي سوريا، من ارتفاع غير مسبوق بأسعار المواد الغذائية بجميع أنواعها، خاصة خلال الأسبوعين الماضيين.
يقول الرجل لـ”963+” إن سعر صرف الدولار الأميركي لم يتغير منذ فترة طويلة، إذ لا يزال يتراوح بحدود 11600 ليرة سورية للدولار الأميركي الواحد.
وتفاجأ فادي الذي يعيل أربعة أطفال بارتفاع كبير بأسعار المواد الغذائية، مشيراً إلى عجزه عن تلبية احتياجات أسرته، لا سيما أنه يتقاضى نحو 240 دولاراً أميركياً شهرياً.
فجوة الدخل والمعيشة
ارتفعت أسعار المواد الغذائية في مدينة الرقة خلال الفترة الماضية إلى درجات غير مسبوقة، في وقت يعاني فيه سكان المحافظة من ظروف اقتصادية صعبة.
وطرأت في الرقة تغييرات على الساحة العسكرية والأمنية، وانتقلت سيطرتها إلى الحكومة السورية بعد انسحاب قوات سوريا الديموقراطية (قسد) منها إلى الحسكة وكوباني شمالي البلاد.
وتبعت تلك التحولات ظروف اقتصادية فُرضت على سكان الرقة، فيما تأثر موظفو الإدارة الذاتية في المحافظة بدرجة كبيرة بعد انقطاع رواتبهم وسط غياب أي وعود أو خطط رسمية حكومية تُعيدهم إلى العمل.
ويعتمد سكان الرقة على تربية الثروة الحيوانية والزراعة، كما يعتمد الكثير من السكان، لا سيما الشباب، على الوظائف التي أتاحتها الإدارة الذاتية في الرقة منذ تأسيسها في عام 2018.
وارتفع سعر الزيت النباتي 4 ليتر إلى 95 ألف ليرة سورية، بعد أن تدرجت تسعيرته من 65 ألفاً منذ أقل من عام على سقوط نظام الأسد، ما يجعل فادي وأقرانه في فاقة، فيما لم تُصدر الحكومة أي قرارات أو خطط تخفف من معاناة السكان.
ولأن الأمور مرتبطة ببعضها، ارتفعت أسعار الخضار للضعف تقريباً، كما سجلت اللحوم الحمراء 100 ألف ليرة بزيادة تقدر بنحو 10 آلاف ليرة، وارتفع سعر كيلو الفروج من 23 ألف ليرة سورية إلى 35 ألف ليرة للكيلو الواحد.
هذا الواقع أجبر أيوب العيسى (43 عاماً) على الاستدانة من أحد أصدقائه المغتربين، بعد أن عجز عن إيفاء الدين الذي تراكم عليه عند صاحب السوبرماركت في الحي الذي يسكنه.
يقول العيسى لـ”963+” إن جميع المواد ارتفعت أسعارها خلال الفترة الماضية، وسط غياب لأي دور حكومي، إذ زادت أسعار المحروقات بحوالي 2000-3000 ليرة لكل ليتر من المحروقات.
ومع إعادة سيطرتها على الرقة ودير الزور والحسكة، بدأت الحكومة السورية باستلام آبار النفط وضخه إلى الداخل السوري، كما منعت تداول أو بيع المحروقات المكررة بدائياً، والتي تُعرف بأسعارها الجيدة، في حين اعتمدت على المحروقات التي استوردتها من السعودية.
وتسبب ارتفاع أسعار المحروقات بزيادة تعرفة نقل الركاب بين المدينة وريفها، كما ارتفعت أسعار الأمبيرات من 9 آلاف ليرة سورية إلى 20 ألف ليرة سورية مع تخفيض ساعات الوصل إلى 4 بدلاً من 9 ساعات، ما أثار استياء الأهالي.
وبحسب دراسة نشرها مركز دراسات “قاسيون” في أيلول/سبتمبر الماضي، فإن الحد الأدنى لتكاليف معيشة الأسرة في أيلول 2025، مع انتهاء الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، سجّل “مؤشر قاسيون لتكاليف المعيشة” ارتفاعاً في تكاليف جميع الضروريات الأساسية لمعيشة أسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد، حيث بلغ وسطي التكاليف نحو 11.3 مليون ليرة سورية، فيما قُدّر الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بـ7,111,833 ليرة.
ويتوازى هذا الارتفاع مع تدهور متواصل في المستوى المعيشي، ورغم ارتفاع الأجور الرسمية بنسبة 200%، فإنها تظل غير قادرة على تلبية سوى ثلاثة أيام تقريباً من حاجة الأسرة للاستهلاك بالحد الأدنى، ما يعكس فجوة شاسعة بين الدخل والإنفاق الضروري. وتتفاقم هذه الفجوة مع تزايد أعداد المتضررين من انقطاع الرواتب وعدم انتظامها وارتفاع معدلات البطالة عموماً، بحسب “قاسيون”.
وفي نهاية شهر أيلول 2025، وبسبب تغير طريقة الحساب، شهد وسطي تكاليف معيشة الأسرة السورية انخفاضاً بنحو 3,118,300 ليرة سورية عن وسطي التكاليف التي سجلها مؤشر قاسيون في نهاية شهر حزيران/يونيو الماضي، حيث انتقلت هذه التكاليف من 14,497,233 ليرة في نهاية حزيران، إلى 11,378,933 ليرة في نهاية أيلول (بينما انخفض الحد الأدنى لتكاليف معيشة الأسرة بنحو 1,948,938 ليرة، منتقلاً من 9,060,771 ليرة في نهاية النصف الأول من العام، إلى 7,111,833 ليرة في نهاية أيلول)، أي أن التكاليف انخفضت فعلياً بنسبة قاربت 21.5% خلال ثلاثة أشهر (تموز، آب، أيلول).
وتشهد المؤسسات الحكومية حالة من التخبط في الرقة، وسط غياب لدورها الفعلي في الرقابة على الأسواق وإيجاد حلول إسعافية للواقع الاقتصادي المتردي في المحافظة.
ويأمل أيوب، الذي كان معلماً لدى الإدارة الذاتية، كما غالبية أقرانه، بأن تسارع الحكومة بدمجهم في مؤسساتها واستئناف تسليمهم الرواتب.
تبريرات
من جهته، يقول مهند الشحاذة (34 عاماً)، تاجر مواد غذائية في الرقة، ولديه محل في نزلة المتحف، إن ارتفاع أسعار المواد “ليس صنيعة التجار أو تلاعباً في الأسواق”.
ويشتكي الرجل من مديرية التموين في الرقة التي طلبت منهم إبراز وثيقة جمركية تُثبت عبور البضائع.
ويشير التاجر إلى أن غالبية المواد التي اشتراها كانت تدخل عبر أربيل، فيما بدأت مديرية التموين بطلب سجلات جمركية والتهديد بمصادرة البضائع، ويعتبر أن ذلك أسهم في ارتفاع أسعار السلع.
وخلال الفترة الماضية شهدت مدينة الرقة احتجاجات عدة نفذها معلمون يطالبون بالتثبيت والحصول على حقوقهم، كما تظاهر أصحاب مركبات الشحن وأصحاب المقالع بسبب ارتفاع أسعار المحروقات وفرض رسوم جديدة وضوابط تعيق عملهم.
فيما شهدت محافظة الرقة جهوداً لوضع خطط عبر اجتماع المحافظ عبد الرحمن سلامة مع عدة منظمات محلية، وسط وعود بتحسين الوضع بشكل كبير.










