في الوقت الذي كان السوريون يأملون أن تُطوى صفحة الحرب الدموية، أعادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ملف “المفقودين قسرياً” إلى واجهة المأساة، بعدما كشفت عن أرقام صادمة تؤكد أن سجل الانتهاكات في البلاد لم يُغلق بعد.
فبحسب ما نقلته وكالة “رويترز” عن الأمم المتحدة، فإن ما لا يقل عن 97 شخصاً اختُطفوا أو اختفوا في سوريا منذ كانون الثاني/يناير من هذا العام، فيما أوضحت المفوضية أنها “ما تزال تتلقى تقارير مثيرة للقلق بشأن عشرات حالات الاختطاف والاختفاء القسري”.
هذا الرقم ليس مجرد إحصاء، بل جرح جديد في جسد وطن مثخن بالجراح، ويعكس استمرار ثقافة الإفلات من العقاب التي تُهيمن على المشهد السوري. كما يضع هذا التطور مسؤولية أخلاقية وسياسية على عاتق المجتمع الدولي لضمان عدم إغلاق ملف الاختفاء القسري، والاعتراف بحق العائلات في معرفة مصير أحبائها. فالمعرفة ليست مطلباً إنسانياً فحسب، بل خطوة أساسية نحو أي سلام مستدام أو عملية “تعافٍ” حقيقية في سوريا.
اقرأ أيضاً: مؤسسة دولية: بعض المفقودين في سوريا ما زالوا على قيد الحياة – 963+
الأرقام تتحدث: الـ 97 صرخة في وجه النسيان
يحذّر الناشط السياسي هشام الدخيل في تصريحات لـ”963+” من أن هذا التوثيق الأولي يشير بوضوح إلى أن موجة الاختطاف والاختفاء القسري لم تتوقف رغم تغيّر الخريطة السياسية في البلاد، وأنها لا تزال تستهدف المدنيين في مختلف المناطق.ووفقاً للتقرير، تم تسجيل وتوثيق 97 حالة جديدة منذ بداية العام، تُضاف إلى عشرات الآلاف من الحالات المسجلة منذ عام 2011، حيث أشار التقرير نفسه إلى أن “أكثر من 100 ألف شخص اختفوا في عهد النظام المخلوع”.
وتحذّر المفوضية من أن بعض الأشخاص تعرضوا لـ”تهديدات بسبب التواصل مع الأمم المتحدة”، ما يعكس حجم الخوف الذي يخيّم على الضحايا وعائلاتهم. كما تثير هذه الحالات الجديدة، التي سُجّلت رغم مرور أشهر على سقوط النظام السابق، تساؤلات جدية حول الوضع الأمني والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان في المرحلة الراهنة.
قصص خلف الأرقام
خلف كل رقم من أرقام الـ97 تختبئ قصة عائلة تبحث عن حقيقة مؤلمة. من بين تلك الحالات تبرز قضية حمزة العمارين، وهو متطوع في الدفاع المدني اختفى في 16 تموز/يوليو أثناء مشاركته في مهمة إجلاء إنسانية في منطقة السويداء. وأكدت المفوضية أن قضيته تسلط الضوء على استهداف العاملين في المجال الإنساني.
وفي حين شهدت بعض المناطق حالات لمّ شمل لعائلات بعد تغيّر الأوضاع السياسية، تؤكد الأمم المتحدة أن الكثيرين ما زالوا يجهلون مصير ذويهم، مشيرة إلى أن جرائم الاختفاء القسري ارتُكبت من قبل أطراف متعددة خلال سنوات الصراع، ما يجعل من الظاهرة جرحاً وطنياً عابراً للانقسامات.
اقرأ أيضاً: أمهات وزوجات المفقودين في سوريا.. وجع بلا نهاية – 963+
التحديات الأمنية والقانونية
يرى المحامي طارق العلي، في تصريح لـ”963+“، أن أزمة الاختفاء القسري تتفاقم بفعل عاملين رئيسيين: “الفراغ الأمني: فالوضع غير المستقر في البلاد، خصوصاً في المناطق التي شهدت أعمال عنف مؤخراً، جعل من الصعب تعقّب المفقودين أو تحديد أماكن احتجازهم. وتستغل الجماعات المسلحة وبعض الجهات غير الحكومية هذا الاضطراب لارتكاب عمليات خطف واحتجاز تعسفي”.
أما العامل الثاني بحسب العلي فهو: “مأزق العدالة الانتقالية: فرغم إعلان الرئاسة السورية في أيار/مايو الماضي عن تشكيل لجان للعدالة والمفقودين، شددت المفوضية على ضرورة تفعيل آليات مستقلة وفعّالة لضمان الشفافية والمساءلة”.
ويطالب الناشطون الحقوقيون بتعاون كامل مع المؤسسة الدولية المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا (IIMP)، التي أنشأتها الأمم المتحدة عام 2023. فالإقرار بـ97 حالة جديدة خلال بضعة أشهر دليل على أن جرائم الاختفاء القسري تحوّلت إلى ثقافة مستمرة تتجاوز الانقسامات السياسية وتغذيها حالة الإفلات من العقاب.
ويخلص التقرير إلى ضرورة تقديم الدعم الكامل والشفاف للمؤسسة الدولية المستقلة للمفقودين، وتفعيل آليات المحاسبة الوطنية بشكل مستقل وعادل، إلى جانب زيادة الضغط الدولي على جميع الأطراف في سوريا لوقف هذه الممارسات فوراً، وضمان سلامة الناشطين وعائلات الضحايا.
كما تشدد المنظمات الحقوقية على أهمية التوثيق الدقيق وحماية المدنيين من التهديدات، فمصير المفقودين يظل القضية الإنسانية الكبرى التي لا يمكن لأي عملية تعافٍ أن تبدأ دون حلها. كل حالة اختفاء جديدة هي تذكير مؤلم بأن العدالة لم تتحقق بعد.










