في تاريخ سوريا الحديث وتحديداً بعد الاستقلال عام 1946 شهدت البلاد تحولات عديدة في قطاع التعليم والذي يعتبر الأهم في بناء المجتمع خاصة بعد عقود من الاستعمار وما خلفه من حاجة لإعادة صياغة وتحضير المناهج التعليمية بما يتناسب مع تاريخ سوريا وتنوعها وحضارتها.
تحولات التعليم بدأت مع محاولة الحكومات المتعاقبة في سوريا خلال الفترة الممتدة بين عامي 1946 إلى 1960 لإنشاء نظام تعليمي يعزز الهوية الوطنية، ويقلل من آثار الحقبة الاستعمارية مع التركيز على نشر التعليم الابتدائي في المدن والقرى ومحاولة القضاء على الأمية وترسيخ مبدأ مجانية التعليم لكن كل ذلك اصطدم بعدد من التحديات منها عدم الاستقرار السياسي جراء الانقلابات المتكررة مما أثر جزئياً على استمرارية الخطط التعليمية طويلة المدى، يضاف إلى ذلك توسع الفجوة التعليمية بين المدن المتقدمة والريف، ونقص الكوادر التدريسية المؤهلة ومحدودية المباني المدرسية والتجهيزات.
اقرأ أيضاً: سوريا بين الإسلاميين والعلمانيين.. نحو عقد اجتماعي ودولة مواطنة – 963+
المرحلة الأكثر حساسية وخطورة جاءت في ستينيات القرن الماضي حيث ظهرت التحديات الجوهرية لإنشاء النظام التعليمي في سوريا، ليتحول التعليم على مدى عقود من الزمن كأداة دعائية في يد “حزب البعث العربي الاشتراكي” والشعارات الحزبية والتراجع عن الفكر النقدي على حساب الحزب الأوحد والأفكار والتوجهات المفروضة مما رسخ أيديولوجية القومية العربية والاشتراكية والولاء الكامل للرئيس وكل ذلك كان عبر المناهج التي تضمنت منذ المرحلة الابتدائية إلى الإعدادية ثم الثانوية مادة القومية التي تُدرس تاريخ البعث مع انتشار الصور والرموز (علم البعث، صور الرئيس، شعارات الحزب) في الكتب والمدارس والمباني التعليمية.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، أصدرت وزارة التربية في الحكومة السورية الانتقالية قراراً بتحديد المناهج الدراسية المعتمدة للعام الدراسي 2025 / 2026 الذي يقضي بحذف جميع الإشارات والرموز المرتبطة بنظام الأسد، لا سيما في مواد الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا وحذف مادة التربية الوطنية بشكل نهائي من المناهج الدراسية المعتمدة، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التعديلات كافية للابتعاد عن الإيديولوجيا في التعليم وبناء نظام تربوي وتعليمي يراعي كافة السوريين على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم. بالتالي ماهي المناهج الذي يجب أن يتعلمها أولادنا في المدارس؟
يقول الأستاذ محمد قادري وهو مدرس مادة الاجتماعيات في دمشق لـ “963+”، إن “العام الدراسي الحالي يعتبر نقطة تحول في المناهج التعليمية التي كانت تدرس خلال خمسين عاماً من حكم نظام البعث حيث من الضروري إعادة بناء التعليم كمؤسسة حيوية في المجتمع الأمر الذي قد يكون صعباً في بداية الأمر لكنه ليس بعيد المنال”.
اقرأ أيضاً: الوحدة المهددة في الشمال السوري: الاشتباكات الأخيرة بين التوازن الميداني والسياسات الإقليمية – 963+
ويضيف: “التعليم في سوريا سابقاً كان بالنسبة للطالب قائم على حفظ الشعارات القومية والحزبية أكثر من فهم المواد الدراسية وبالنسبة للمعلم والأساتذة يتم تقييمهم بناء على الولاء الحزبي والأيديولوجي وليس على الكفاءة العلمية مما جعل المدارس بعيدة كل البعد عن كونها بيئات تعليمية كما حول الجامعات إلى أماكن لتخريج طلاب لشهادات ورقية وهم في الوقت نفسه فاشلين بسوق العمل”.
ويؤكد قادري، على “أهمية وضرورة إلغاء المحتوى السياسي من المناهج الدراسية والابتعاد عن التلقين في النظام التعليمي الجديد مع إنهاء الأساليب القمعية القائمة على الضرب والإهانة التي كانت تمارس سابقاً”.
بدورها، تشير المحامية سهيلة الجابري وهي والدة طالب في الصف الاعدادي بمدينة درعا، إلى أن “المناهج التعليمية يجب أن تبتعد عن التلقين والحفظ وتنتقل نحو الأتمتة وهو ما نأمل أن يكون موجوداً بأقرب وقت”. وتتابع لـ “963+”، “القرارات الأخيرة المتعلقة بالتعديلات على المناهج جيدة وإيجابية لكن أرى بأنه يجب الابتعاد عن الطابع القومي أو الديني في التوجهات التعليمية وأن يتم التركيز على مناهج تأخذ طابع الموضوعية”.
بدوره، يسلط الصحفي محمد أمين الضوء على “أهمية مراعاة التركيبة السكانية القومية والدينية على امتداد الجغرافية السورية فيما يتعلق بالمناهج الدراسية والمدارس واللغات المتعددة الأمر الذي كان غير مسموحاً به في عهد نظام الأسد الأب والابن معتبراً أن مراعاة هذه التركيبة سيحافظ على مبدأ المساواة بين الجميع وأنه من حق كل مكون تعلم تاريخه ولغته”.
ويشدد أمين في تصريحات لـ “963+”، على “إمكانية الوصول لاتفاق حول توحيد كافة المناهج التعليمية والتي تعددت خلال فترة ما بعد الحراك الشعبي في سوريا عام 2011 بحسب مبادئ وقواعد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة وكل ذلك بهدف بناء السلام والتنمية المستدامة في البلاد”.










