تشير المؤشرات الأخيرة إلى أن التوترات في حيي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب، ليست مجرد أحداث محلية، بل انعكاس لتشابكات أوسع بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية. فالتأجيل في تنفيذ الاتفاقات السابقة يعمّق الانقسامات بين المكونات السورية، ويزيد من المخاوف حول عودة الاشتباكات، بينما تحاول بعض القوى الميدانية الحفاظ على وحدة البلاد وتهيئة بيئة مستقرة لجميع المكونات. وفي الوقت نفسه، توضح تحليلات أمنية أن ما يجري على الأرض مرتبط بتفاهمات متناقضة بين القوى الدولية، ما يجعل احتمالات الاستقرار هشّة ومفتوحة على المخاطر. فهل سيكون الهدوء الحالي خطوة نحو استقرار دائم، أم مجرد فترة مؤقتة قبل تجدد الصراع؟
وتشهد أحياء في مدينة حلب، صباح الثلاثاء، حالة من الهدوء الحذر بعد ليلة من التوترات والاشتباكات العنيفة بين قوات الأمن الداخلي (الأسايش) وقوات الحكومة السورية الانتقالية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، انتهت بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
ونقلت قناة “الإخبارية السورية” عن مصدر رسمي في الحكومة الانتقالية قوله إنّ الاتفاق جرى بعد منتصف ليل الإثنين – الثلاثاء عقب اشتباكات استمرت ساعات طويلة، موضحاً أن الغاية هي “تهدئة الوضع وإعادة الحياة الطبيعية إلى الحيين بعد التصعيد الأخير”.
اشتباكات ومظاهرات تطالب بفتح الطرق
وأفاد مراسل “963+” بأن الاشتباكات اندلعت عقب مظاهرة خرجت في الشيخ مقصود والأشرفية تطالب بفتح الطرق المؤدية إلى الحيين التي كانت مغلقة منذ يومين باستثناء طريق واحد.
وأوضح المراسل أن “قوات الحكومة الانتقالية قصفت بقذائف الهاون أطراف حي الشيخ مقصود”، مشيرًا إلى أنّ “أكثر من عشرة متظاهرين أُصيبوا بحالات اختناق جراء استخدام الغاز المسيل للدموع من قبل قوات الأمن الداخلي لتفريق المحتجين”.
من جانبها، أكدت وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية أنّ “تحركات الجيش تأتي ضمن خطة لإعادة الانتشار في الشمال السوري”، مشددة على التزامها بـ اتفاق العاشر من آذار/مارس الماضي المبرم مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وعدم وجود نوايا لعمليات عسكرية، وفق ما نقلته وكالة “سانا”.
إلى ذلك، ذكرت وكالة “هاوار”، اليوم، أن وفداً من الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا سيتوجه إلى العاصمة دمشق، بعد التصعيد الذي حصل أمس.
وذكر وزير الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية في منشور على منصة “X”: “التقيت قبل قليل بالسيد مظلوم عبدي في العاصمة دمشق واتفقنا على وقف شامل لإطلاق النار بكافة المحاور ونقاط الانتشار العسكرية شمال وشمال شرق سوريا، على أن يبدأ تنفيذ هذا الاتفاق فورياً”.
وقال مصدر حكومي لـ”فرانس برس”، إن قائد قوات سوريا الديموقراطية الجنرال مظلوم عبدي التقى الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع اليوم في دمشق.
بدوره، قال محافظ حلب عزام الغريب عبر صفحته على “فايسبوك”: اجتماع مهم يُعقد بالعاصمة دمشق لبحث الأوضاع في مدينة حلب.
وشدد الغريب على التأكيد على الالتزام بتنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار ومتابعة أحوال الأهالي والعمل على إعادة الحياة طبيعية بين حيي الشيخ مقصود والأشرفية وباقي مناطق المدينة.
اتفاق 10 آذار.. محور الخلاف ومحاولات التهدئة
يُعد اتفاق العاشر من آذار أحد أبرز محاور التفاهم بين الحكومة الانتقالية و”قسد”، والذي يهدف إلى ضبط التنسيق الأمني والإداري في المناطق الشمالية. غير أنّ تأخر تنفيذ بنوده يُثير توترات ميدانية متكررة كما حدث في الشيخ مقصود.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والسياسي السوري درويش خليفة، في تصريحات لـ”963+” أنّ “تأجيل تنفيذ بنود اتفاق 10 آذار/مارس سيؤدي إلى مزيد من التوترات والخروقات العسكرية بين الطرفين”، مشيراً إلى أنّ “استمرار التأجيل من شأنه أن يعمّق الشرخ المجتمعي بين المكونات السورية، خصوصاً بين الفئات المؤيدة للسلطة الحالية وتلك المعارضة لها”.
ويتابع خليفة تحليله قائلاً إنّ “سوريا تعيش اليوم حالة تفكك لا يمكن تجاوزها إلا من خلال تنفيذ اتفاق 10 آذار، والانتقال بعدها إلى توافقات وطنية جديدة تُفضي إلى صياغة دستور جديد ودمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة الرسمية — الجيش، الشرطة، والوزارات”.
كما يشير إلى أنّ “السلطة السورية تبدي رغبة واضحة في تحقيق الوفاق الوطني رغم الخلافات الداخلية والتدخلات الخارجية”، موضحاً أنها تعمل على تنفيذ الاتفاقات الموقعة مع قسد ومع الجانب الأردني برعاية المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك.
ويضيف أنّ “هدف السلطة يتمثل في إنهاء حالة التشتت والانطلاق نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة وتفعيل العملية السياسية والاستثمارية”.
وفي ختام تصريحه، يؤكد خليفة أنّ “الرعاية الأميركية لاتفاق 10 آذار منحت الاتفاق زخماً سياسياً وشعبياً، وأسهمت في قبوله إقليمياً، إلا أن بطء تنفيذ بنوده من قبل قسد يقف عائقاً أمام الوصول إلى تفاهم نهائي”.
ويشدد على أنّ “التقدم في تنفيذ الاتفاق خطوة بخطوة من شأنه إنهاء نحو 90% من المشكلات المحلية السورية، وإعادة البلاد تدريجياً إلى حالة الاستقرار والدولة الطبيعية”.
“قسد” تدعو إلى سوريا موحدة
في المقابل، أكد القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية الجنرال مظلوم عبدي أنّ قواته “ثابتة على هدفها في سوريا واحدة موحدة لجميع السوريين”. مشيراً في تصريحات على منصة “إكس” إلى أنّه بحث مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك وقائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر “الوضع السوري واستمرار جهود مكافحة تنظيم داعش ودعم التكامل السياسي في سوريا والحفاظ على وحدة أراضيها وخلق بيئة آمنة لجميع المكونات”.
واعتبر عبدي أنّ “الرئيس الأميركي دونالد ترامب والسفير باراك لعبا دوراً صادقاً وفعالاً تجاه الشعب السوري في سعيهما لحل الأزمة وتحقيق مستقبل أفضل لسوريا”.
هذه التصريحات، بحسب مراقبين، تتقاطع مع رؤية خليفة حول ضرورة تثبيت اتفاق 10 آذار لضمان وحدة البلاد وتهدئة الأوضاع في الشمال، بما يسمح بالانتقال نحو تفاهم وطني أوسع تحت مظلة سورية موحدة.
اشتباكات حلب في سياق تفاهمات إقليمية
وفي قراءة أوسع للأحداث، يرى الباحث في الشؤون الأمنية العميد ناجي ملاعب أن الاشتباكات الأخيرة “بدت وكأنها اندلعت بعد اللقاء الذي جمع الرئيس رجب طيب أردوغان والرئيس دونالد ترامب على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة”، مشيراً إلى أن “ما تبادله الطرفان أعطى مؤشراً على تفاهم أميركي ـ تركي أدى إلى انعكاسات ميدانية، من بينها قبول إمكانية مشاركة تركيا في برامج تسليحية وتقنية كانت محل خلاف سابق”.
ويضيف ملاعب لـ”963+” أن “هذا التفاهم الأميركي ـ التركي صاحبته حالة من الخلاف الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن مستقبل سوريا ومشروع ما وصفه بـممر داوود”، موضحاً أن “واشنطن تسعى إلى بقاء سوريا دولة موحدة ضمن مدار نفوذ أميركي؛ يتم توجيه الاستثمار فيها من قبل دول أو فاعلين محسوبين على البيت الأميركي، مع إبداء ارتياح لاستثمارات تركية شرط إبرام ضمانات أمنية لتركيا، وعلى رأسها عدم بروز كيانية كردية تشكل تهديداً لأنقرة”.
ويتابع أنّ “إسرائيل، بخلاف الولايات المتحدة، تميل إلى رؤية سوريا متعددة الأقطاب الإدارية — أي وجود إدارات ذاتية ومحافظات تتمتع بصيغ حكم محلية — وهدف إسرائيل من ذلك هو الحفاظ على إدارة ذاتية كردية في الشمال، وإيجاد إدارة ذاتية ثالثة في الجنوب السوري (المحافظات الثلاث) تحت ذرائع طائفية أو مصلحية، بما قد يمهّد لعمليات تغيير ديموغرافي بحق فلسطينيين/أقليات في المنطقة”.
ويشير ملاعب إلى أن “إسرائيل تطمح أيضاً إلى ربط هذه المناطق الجنوبية بمنطقة الإدارة الذاتية الكردية عبر ممر يمر بمنطقة التنف، وهو ما يسمى بـ‘ممر داوود’؛ وهدف هذا الممر هو السيطرة على طرق النقل المهمة القادمة من الخليج العربي، والتأثير في مسارات نقل الغاز والطاقة الإقليمية، وهو ما يؤدي بحسبه إلى تباين في الأولويات بين واشنطن وتل أبيب”.
ويختم العميد ملاعب تصريحه بالقول إنّ “الولايات المتحدة ستلبّي رغبة تركيا في منع ظهور كيانية كردية مستقلة، بينما تسعى إسرائيل إلى جعل وجود إدارات ذاتية متعددة مبرراً لتثبيت نفوذها وتأمين مرور وموافقة إسرائيليتين لمسارات الطاقة والمواصلات في المنطقة”.
ويؤكد أنّ “ما يجري ميدانياً يعكس تناقضات وتفاهمات إقليمية ودولية تتقاطع عند مصالح كل طرف في سوريا، وأن المشهد سيبقى حساساً في حال استمر هذا الخلط بين المصالح الاستراتيجية والسياسات الأمنية للدول المعنية”.
ويرى مراقبون أنّ التقاطع بين رؤية قائد “قسد” الداعية إلى وحدة سوريا، وتحذيرات درويش خليفة من تأجيل الاتفاقات، وتحليل ناجي ملاعب حول التفاهمات الإقليمية، يشير إلى أنّ ما يجري في حلب ليس حدثاً محلياً معزولاً، بل جزء من مشهد سياسي متشابك تتقاطع فيه المصالح الدولية مع الصراعات الداخلية.
وبينما يترقب السكان استمرار الهدوء، يبقى مستقبل شمال سوريا مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على ترجمة الاتفاقات السياسية إلى التزامات ميدانية، وعلى التوفيق بين دعوات الوحدة الوطنية وتوازنات القوى الإقليمية المعقّدة.










