تقف سوريا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي بعد أكثر من عقد من الحرب التي غيرت البنية الديموغرافية والسياسية للبلاد، وسط انقسامات عميقة بين التيارات الإسلامية والعلمانية، وأزمات سياسية متراكمة، وتدخلات إقليمية ودولية متعددة.
وتُطرح خلال الفترة الانتقالية الحالية التي تعيشها البلاد عقب سقوط النظام المخلوع، أسئلة ملحّة حول طبيعة إدارة الدولة ومستقبلها بعد سقوط النظام، وكيفية تحقيق شراكة سياسية قادرة على تأسيس دولة مدنية جامعة تحترم التنوع الطائفي والإيديولوجي والثقافي، وتضمن استقراراً طويل الأمد.
اقرأ أيضاً: النموذج الإسلامي في الحكم السوري: بين التجربة السعودية والتركية – 963+
خلفية تاريخية للانقسام
هذه الانقسامات ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية واجتماعية وفكرية وسياسية تعود جذورها إلى بدايات القرن العشرين، حين بدأت المجتمعات العربية عموماً، والسورية خصوصاً، رحلة البحث عن نموذج حكم يجمع بين الهوية الدينية والثقافة الحديثة ومقتضيات الدولة الوطنية.
ولم يعد النقاش حول شكل الحكم في سوريا اليوم مجرد جدل نخبوي، بل قضية وجودية مرتبطة بمصير ملايين السوريين ومستقبل المنطقة بأكملها، فمنذ الاستقلال عام 1946 عاشت سوريا سجالاً سياسياً وفكرياً حاداً بين تيارات مختلفة.
وتبنت بعض النخب السياسية مشروعاً قومياً – علمانياً مستلهماً التجربة البعثية والناصرية، بينما ظلّ الإسلاميون، وعلى رأسهم جماعة “الإخوان المسلمين”، متمسكين بمشروع يقوم على “أسلمة الدولة” ورفض احتكار السلطة من قبل العسكر أو القوميين.
ووقع الصدام الأكبر في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، حين اندلعت مواجهات دامية بين نظام حافظ الأسد و”الإخوان المسلمين”، انتهت بمجزرة حماة عام 1982، ما رسّخ الشرخ بين الطرفين وجعل من الصعب تصور صيغة شراكة سياسية متوازنة بينهما في ظل إرث الدماء والعداء المتبادل.
الثورة السورية وحدت الموقف
مع انطلاق الاحتجاجات الشعبية عام 2011 بدا المشهد مختلفاً، فقد شارك الإسلاميون والعلمانيون في المظاهرات الأولى، واجتمعوا على هدف إسقاط النظام، غير أن مسار الثورة سرعان ما تفتت، إذ دخلت أطراف إقليمية ودولية على خط الصراع، وتمددت التنظيمات الجهادية مثل “داعش”، بينما برزت قوى معارضة ذات توجه علماني – مدني لكنها ضعيفة التنظيم والدعم.
وبعد سقوط النظام ظهرت فكرة “الإدارة المشتركة” بين الإسلاميين والعلمانيين مجدداً كحل وسط لتجنب انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة أو هيمنة طرف واحد على مستقبل الدولة، لاسيما بعد الأزمات السياسية التي شهدتها البلاد عقب سقوط النظام.
الشراكة السياسية
يقول وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات بمدينة إسطنبول التركية، إن سوريا اليوم أمام فرصة لإعادة بناء دولة المواطنة على أساس عقد اجتماعي شامل يعكس التنوع الطائفي والإيديولوجي والفكري والثقافي في البلاد.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن أحد التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا هو أن الأزمات السياسية تعيق الوصول إلى هذا العقد الاجتماعي، الذي يصفه بأنه تفاهمات غير مكتوبة بين جميع مكونات المجتمع السوري.
ويشير علوان إلى أن هذه التفاهمات يجب أن تكون نتاج حوار وطني حقيقي، راسخ، معمق وشفاف، يمكن من خلاله صياغة دستور جديد للدولة، وأن البعد الإيديولوجي حاضر في جميع دول الشرق الأوسط، بين التيارات الليبرالية والدعوية العلمانية، والتيارات المحافظة والإسلامية، لكن في سوريا هناك قناعة متزايدة بين الجميع بأهمية دولة المواطنة.
ويرى علوان أن إمكانية تطبيق صيغة الشراكة بين الإسلاميين والعلمانيين قائمة، لكنها تعتمد أولاً على معالجة المشكلات السياسية القائمة أكثر من التركيز على الانقسامات المجتمعية، إذ أن الحوار المشترك والعقد الاجتماعي هما السبيل الحقيقي لمعالجة هذه الانقسامات.
ويوضح أن التحديات الرئيسية التي تواجه النموذج السوري، كما تراها القوى الإقليمية، تتمثل في استمرار المشكلات السياسية، مثل الأزمة مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، حيث يجب حل الجوانب الأمنية والسياسية أولاً قبل أن تتاح الفرصة لحوار مجتمعي حقيقي وتفاهمات مستدامة.
اقرأ أيضاً: هل من ضرورة لعلمنة الدولة في سوريا؟ – 963+
التمثيل السياسي والدستور
يقول الدكتور كمال حبيب، الأكاديمي المصري المتخصص في الفكر السياسي وعلم اجتماع الدين، إن الشراكة السياسية بين التيارات الإسلامية والعلمانية في سوريا الجديدة لا ينبغي أن تقوم على أساس تمثيل مناطقي أو طائفي، بل عبر انتخابات نزيهة وشفافة تعكس إرادة الشعب.
ويضيف حبيب في تصريح لـ”963+”، أن فكرة التمثيل المناطقي أو الطائفي غالباً ما تُستخدم للتعبير عن أقليات أو فئات ضعيفة غير قادرة على المنافسة في الانتخابات، مثل المرأة أو بعض الفئات الاجتماعية، وهو ما لا يعكس النموذج السياسي الحديث للدولة.
ويشير إلى أن التمثيل السياسي يجب أن يقوم على أساس حزبي وأيديولوجي، بحيث تعبر الأحزاب عن توجهات علمانية أو إسلامية أو مزيجاً بينهما، ويختار الشعب من يمثلهم وفق آليات ديمقراطية واضحة.
ويعتبر حبيب أن الانتخابات في المرحلة الانتقالية المقبلة في سوريا ستُجرى ضمن لجنة عليا مستقلة لضمان نزاهتها، وستتيح للناس التعبير عن خياراتهم بعيداً عن أي شكل من أشكال التمثيل السياسي، وأنها ستشكل الحكومة المستقبلية، مع مراعاة طبيعة الوضع السوري الانتقالي ووجود عدد كبير من المهجرين داخلياً وخارجياً.
ويؤكد، أن التحدي الأكبر لا يقتصر على الخلاف بين التيارات الإسلامية والعلمانية، بل يكمن في قدرة الدولة على بسط سيطرتها على كل أراضيها ومواطنيها، وأن توجد مناطق تتمتع بدرجة من الحكم المحلي أو التمثيل للحد من شعور الأقليات بالتهديد، مثل الدروز في الجنوب والأكراد في الشمال، يمكن أن يكون مقبولاً مؤقتاً في المرحلة الانتقالية، بشرط أن يكون ذلك ضمن إطار يحافظ على وحدة الدولة ويعزز الديمقراطية فيها.
وبعد صدور الإعلان الدستوري في آذار/ مارس الماضي، انتقد محامون ومحللون قانونيون الإعلان باعتباره يعكس تفرد السلطة واستئثارها بها، ويحرم السوريين من المشاركة الفعلية في صنع القرار، وأن الإعلان يمنح الرئيس صلاحيات واسعة تشمل تعيين أعضاء مجلس الشعب وتحديد ثلثيه، ما يجعل العملية الدستورية عرضة للتلاعب ويحدّ من محاسبة السلطة.
كما يشير منتقدو الإعلان إلى أن الوثيقة تهمّش حقوق الأقليات الدينية والعرقية، إذ يحتفظ باسم “الجمهورية العربية السورية” دون الاعتراف بلغات أو ثقافات المكونات الأخرى، ما يضع غير المسلمين في مرتبة مواطنين من الدرجة الثانية، ويُخالف مبدأ المواطنة المتساوية.
ويرى هؤلاء أن استمرار الوضع الحالي يزيد من التهميش ويضعف فرص المصالحة وإعادة الإعمار، ما يبرز الحاجة إلى عقد مؤتمر وطني شامل يضمن تمثيلاً عادلاً لجميع السوريين.
الفرص والتحديات
ويقول عمرو فاروق، الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي، إن إمكانية تطبيق صيغة إدارة مشتركة بين الإسلاميين والعلمانيين في سوريا اليوم تظل قائمة، شريطة أن تكون مرتبطة بالإطار القانوني الحاكم أو المظلة الدستورية القادرة على جمع شمل الفرقاء.
ويرى فاروق خلال حديث لـ”963+”، أن التوافق بين القوى الإسلامية والعلمانية يُعتبر جزءاً من كل، ضمن وصف المعضلة السورية في ظل واقع يتشكل من تكتلات وتجمعات طائفية ومذهبية، وأن هذا التوافق يمكن أن يتحقق في سبيل إعلان “الدولة الوطنية”، القائمة على مجموعة من المحددات، على رأسها وجود قوة عسكرية فاعلة، والحفاظ على الهوية القومية، والقدرة على استكمال بناء مؤسسات الدولة الحيوية.
ويشدد على أن التوافق يتطلب أيضاً حسم شكل الدولة وإدارتها، سواء أكان ذلك في إطار النظام الفيدرالي أو النظام المركزي، أو حتى النظام اللامركزي الموسع الذي يمنح الأقاليم سلطة واستقلالية ومرونة في التعامل مع القضايا الداخلية، وأن الفرصة تظل قائمة في حال تحقيق التوافق الوطني وتوافر المظلة القانونية والدستورية التي تحكم العلاقة بين مكونات الدولة السورية بتنوعاتها المتعددة.










