في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، دخلت العلاقات التركية الإسرائيلية مرحلة حرجة إثر الغارة الجوية التي نفذتها إسرائيل ضد قيادات من حركة “حماس” في العاصمة القطرية الدوحة. التصريحات الإسرائيلية التي أعقبت الهجوم، والتي تضمنت تهديدًا صريحًا بملاحقة قادة الحركة في أي مكان، بما في ذلك الأراضي التركية، أثارت ردود فعل غاضبة من أنقرة التي وصفت السياسة الإسرائيلية بأنها “إرهاب دولة”.
وهذا التبادل الحاد في الخطاب السياسي يعكس تحولاً محتملاً من التوترات الديبلوماسية إلى مواجهة أكثر مباشرة، ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التصعيد: هل هو خطوة احترازية ضمن لعبة التوازنات الإقليمية، أم أنه يمهد لمواجهة فعلية قد تعيد رسم خارطة التحالفات في الشرق الأوسط؟
وأدلى وزير الدفاع الإسرائيلي بتصريحات مثيرة للجدل خلال مقابلة مع موقع “إيلاف” السعودي، أكد فيها أن “كل من له علاقة بحركة حماس لا يمكنه أن ينام بسلام في أي مكان في العالم”، مشيراً إلى أن إسرائيل لا تستبعد استهداف قيادات الحركة حتى داخل الأراضي التركية، في إشارة مباشرة إلى وجودهم في إسطنبول.
وفي تطور أمني موازٍ، أعلنت أجهزة المخابرات التركية عن تفكيك شبكة تجسس واسعة النطاق مرتبطة بجهاز الموساد الإسرائيلي. وقد تم اعتقال عشرات الأشخاص ضمن خلايا موزعة في أنحاء البلاد، كانوا يتابعون أنشطة سياسية وعسكرية لأجانب، من بينهم عرب من جنسيات متعددة. وكشفت التحقيقات أن الشبكة استخدمت تقنيات متقدمة في التعقب، شملت تتبع المركبات واستخدام أجهزة اتصال مشفرة.
ورداً على تصاعد التوترات الإقليمية بعد النزاع الذي استمر 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، قررت الحكومة التركية اتخاذ إجراءات وقائية لتعزيز حماية المدنيين. وأعلنت عن خطة لبناء ملاجئ في جميع المحافظات الـ 81، لمواجهة تهديدات محتملة مثل الضربات الجوية أو النووية.
واستندت الخطة إلى تقرير صادر عن الأكاديمية الوطنية للمخابرات التركية، مستفيدة من تجارب دولية رائدة مثل اليابان وسويسرا، مع التركيز على تحسين الملاجئ القائمة، وتوظيف محطات المترو، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر.
اقرأ أيضاً: لبحث استهداف الدوحة.. قمة عربية – إسلامية في قطر – 963+
تركيا تعيد رسم أمنها
يؤكد الباحث السياسي التركي إسلام أوزكان في تصريحات لـ”963+” أن التهديد من الخلايا التجسسية المرتبطة بالموساد داخل تركيا يُعد خطيرًا ومستمرًا، ويعكس تصعيدًا في التوترات الإسرائيلية-التركية منذ أكتوبر 2023، رغم أنه ليس جديدًا تمامًا. ويشير إلى أن الاستخبارات التركية (MIT) كشفت في السنوات الأخيرة عن عدة شبكات تجسس إسرائيلية، أبرزها عملية “الخلد” في يناير 2024، التي تؤدي إلى اعتقال 34 مشتبهًا بهم في 8 محافظات، بينهم إسطنبول، بتهم تشمل التجسس على الفلسطينيين، نشر أخبار كاذبة، الابتزاز، والسرقة لصالح الموساد.
ويضيف أوزكان أن MIT أعلنت في مارس 2025 عن تفكيك شبكة عائلية يقودها أحمد أرسين توملوتشالي، مالك شركة تأمينات في إسطنبول، يجمع بيانات شخصية عن أهداف إسرائيلية ويرسلها لضباط الموساد عبر برامج مشفرة. ويشير إلى أن هذه الشبكات تضم مواطنين من سوريا ولبنان وأفغانستان، يستخدمون هواتف مؤقتة، مواقع ويب مزيفة بلغات متعددة (خصوصًا العربية)، وعملات مشفرة للتواصل مع الموساد في دول مثل إسبانيا وألمانيا، مما يصعّب كشفهم. ويستشهد بتقارير تشير إلى اكتشاف 56 عضوًا في عملية واحدة في يوليو 2023، بعضهم يتلقى تدريبًا في تايلاند لتجنب الاستخبارات المضادة.
ويؤكد أوزكان أن هذه الخلايا تركز على الفلسطينيين في تركيا، خصوصًا قادة حماس، وتجمع معلومات عن الطلاب الفلسطينيين في الجامعات، وتحدد مواقع لضربات محتملة، إضافةً إلى شنها حملات تشهير وتهديدات عبر الإنترنت، ضمن استراتيجية الموساد لاستهداف “الأعداء” خارج إسرائيل، كما ظهر في قصف اجتماع لحماس في الدوحة بقطر الشهر الحالي.
ويشير إلى أن الكشف عن هذه الشبكات يؤدي إلى اعتقالات متكررة (مثل 7 أشخاص في فبراير ومارس 2024)، لكن التهديد يستمر بسبب التوترات الإقليمية، خاصة بعد حرب إسرائيل-إيران في يونيو 2025، التي تُظهر قدرة إسرائيل على تنفيذ ضربات جريئة. ويقيّم أوزكان التهديد بأنه “متوسط إلى عالي”، حيث يهدد السيادة التركية ويستنزف مواردها الأمنية، رغم أنه غير مباشر، ويعتمد على التجسس أكثر من العمليات الميدانية. ومع ذلك، يرى أن MIT تنجح في تفكيك عدة شبكات، مما يعكس فعالية استخباراتها المضادة.
ويحذر أوزكان من أن هذه الخلايا تؤثر سلبًا على قدرة تركيا في حماية حماس وفصائل فلسطينية أخرى مثل الجهاد الإسلامي، وتُضعف الثقة والحركة الحرة للقادة الفلسطينيين. ويشير إلى أن تركيا تستضيف نحو 40 قياديًا من حماس منذ 2011 (بعد صفقة شاليت)، وتدعمهم سياسيًا كـ”حركة مقاومة”، لكن الخلايا الإسرائيلية تهددهم بالاعتقال أو الاغتيال، كما حدث في قطر.
اقرأ أيضاً: قمة الدوحة.. اختبار جديد لوحدة العرب والمسلمين بعد الهجوم الإسرائيلي – 963+
ويشرح أن التأثيرات المباشرة تشمل جمع بيانات عن عناوين وأنشطة الفلسطينيين، مما يدفع أنقرة إلى تعزيز الحماية، مثل زيادة الدوريات الأمنية في إسطنبول، ويحد من حرية حركة قادة حماس، الذين يصبحون أكثر عزلة بعد ضربة الدوحة. ويرى أن هذا يضعف صورة تركيا كـ”ملاذ آمن” للفلسطينيين، ويزيد الضغط الدبلوماسي من إسرائيل، التي تهدد بـ”ملاحقة حماس أينما كانوا”.
أما التأثيرات غير المباشرة، بحسب أوزكان، فهي تعزز التوترات مع الولايات المتحدة، رغم علاقات أنقرة بالرئيس ترامب، وتُجبر تركيا على التوازن بين دعم حماس والحفاظ على الاستقرار الداخلي، خاصة مع وجود آلاف الفلسطينيين على أراضيها. ويخلص إلى أن هذا التهديد يُضعف من مصداقية تركيا كقوة إقليمية، لكنه يدفعها لتعزيز التعاون الأمني مع قطر وإيران لمواجهة التهديدات المشتركة.
وفي سياق الاستعدادات، يوضح أوزكان أن تركيا تعلن في أغسطس 2025 عن برنامج وطني لبناء ملاجئ بومبة، بعد حرب إسرائيل-إيران، حيث تقر الحكومة مشروعًا لإنشاء ملاجئ في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة، وتستخدم محطات المترو كملاجئ مؤقتة، تحت إشراف هيئة الإسكان التركية (TOKI). ويعتبر أن هذا الإجراء يعكس مخاوف أنقرة من أن تكون الهدف التالي، خاصة مع تهديدات إسرائيل باستهداف قادة حماس في تركيا.
ويؤكد أن الجاهزية الأمنية تُعد عالية نسبيًا، إذ تنشئ MIT وحدة متخصصة مضادة للموساد في ديسمبر 2023، وتساهم في تفكيك عشرات الشبكات منذ ذلك الحين. ويشير إلى أن الملاجئ تهدف إلى حماية المدنيين من الضربات الجوية، مستوحاة من شبكة إسرائيل الواسعة التي تحد من الخسائر في حرب إيران. كما يلفت إلى أن تركيا تعزز دوريات الطيران من قواعد ديار بكر وملاطية بعد ضربة قطر.
ويختم أوزكان بأن الجاهزية العسكرية التركية قوية لكنها لا تتفوق على إسرائيل، رغم امتلاكها ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة، ونشرها 30,000 جندي في قبرص الشمالية وسوريا، وصواريخ باليستية مثل “تايفون” (مدى 2000 كم)، وطائرات بدون طيار هجومية متقدمة.
اقرأ أيضاً: سوريا وإسرائيل تتقدمان في المفاوضات الأمنية وزيارة تاريخية للشيباني إلى واشنطن – 963+
تركيا وإسرائيل بين الواقع والطموح
من جانبه، يقول عبد الباسط سيدا، الأكاديمي والسياسي السوري المقيم في السويد، لـ”963+” إن ما يجري حالياً بين تركيا وإسرائيل لا يتجاوز حدود المنافسة على النفوذ المستقبلي في سوريا. تركيا، من جهتها، تمتلك حدوداً طويلة مع سوريا تصل إلى نحو 900 كم، وتشهد تداخلاً سكانياً، وهواجس أمنية، إلى جانب الملف الكردي. كما تحظى بتعاطف واسع من السوريين، نظراً لفتحها أبوابها أمام اللاجئين السوريين منذ بداية الثورة، ولا تزال تحتضن أكثر من مليوني سوري، وتقدم لهم مختلف أنواع الدعم الإنساني، وتتيح لهم فرص العمل والتعليم في المخيمات والمدن التركية.
أما إسرائيل، فهي تواصل احتلال الأراضي السورية، ولا تبرم حتى الآن اتفاقية سلام مع سوريا، وتشارك تركيا في الهواجس الأمنية، وتسعى لأن تكون القوة الأكثر تأثيراً في تحديد مسارات الإقليم. وتعلن صراحة أنها لن تسمح لتركيا بأن تحل محل إيران في النفوذ داخل سوريا.
وفيما يتعلق بـ”حماس”، يرى سيدا أنها تتحول إلى ورقة ضغط وتفاوض، لكنها تتجاوز إطار العلاقة التركية الإسرائيلية، وتشكل قضية تخص الدول العربية أولاً، والتي يُفترض أنها تستخلص العبر من تخليها السابق عن دورها، وتغاضيها عن تحكّم إيران في الملف.
ويشير إلى أن دخول الأوروبيين بقوة في مسار حل الدولتين، والدعوة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، يعيد ترتيب الأولويات في المنطقة، وربما يتفاعل ذلك مع المشروع الأمريكي المعروف حالياً باسم مشروع طوني بلير.
ويؤكد سيدا أنه لا يتوقع اندلاع صراع مفتوح بين إسرائيل وتركيا، بل يتوقع استمرار الحملات الإعلامية، وحرب التصريحات، وربما بعض التحرشات الميدانية المحدودة، بهدف تثبيت حدود النفوذ. ويأخذ في الاعتبار وجود تركيا في الشمال السوري، وإسرائيل في الجنوب، وسعي الطرفين إلى شرعنة هذا الوجود في ظل هشاشة الوضع السوري، عبر اتفاقيات تتطلب الكثير من التفكير، والتمعن، والقبول الشعبي.










