في ظل تصاعد التوترات في المنطقة، استضافت العاصمة القطرية الدوحة قمة عربية إسلامية طارئة جاءت استجابة لتطور خطير تمثل في الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف مسؤولين من حركة “حماس” على الأراضي القطرية. وقد شكّل هذا الاعتداء سابقة خطيرة تمس سيادة الدول وتعرّض الأمن الإقليمي والدولي لمخاطر جسيمة.
وهنا يُثار تساؤل مهم: في ظل انقسام المواقف العربية وتباين الحسابات الإقليمية، هل ستكون هذه القمة مجرد حلقة إضافية في سلسلة الاجتماعات الطارئة التي لا تتجاوز حدود الإدانة، أم أنها تمثّل نقطة تحوّل حقيقية نحو موقف عربي إسلامي فاعل ومؤثر؟
قمة طارئة وبيان ختامي وردود فعل
اختتمت القمة العربية الإسلامية الطارئة أعمالها في العاصمة القطرية الدوحة، بإصدار بيان ختامي أدان بشدة الهجوم الذي استهدف مقرات لحركة “حماس” في الدوحة، واعتبره ‘‘اعتداء على مكان محايد للوساطة، من شأنه تقويض جهود صنع السلام الدولية’’.
وأكد البيان التضامن المطلق مع قطر، والوقوف إلى جانبها في ما تتخذه من خطوات للرد على الهجوم، مشدداً على دعم جهود الوساطة التي تبذلها قطر ومصر والولايات المتحدة لوقف حرب غزة، وأدان البيان “تهديدات إسرائيل المتكررة بإمكانية استهداف قطر مجدداً’’.
وشدد المشاركون على رفض أي ‘‘محاولات إسرائيلية لتهجير الفلسطينيين تحت أي ذريعة’’، مؤكدين على أهمية الأمن الجماعي والمصير المشترك للدول العربية والإسلامية. كما عبّر البيان عن رفض القمة لمخططات إسرائيل الرامية إلى فرض واقع جديد في المنطقة.
وعُقدت أعمال القمة العربية الإسلامية، الاثنين، في العاصمة القطرية الدوحة بمشاركة عدد من زعماء وقادة الدول العربية والإسلامية لبحث سبل الرد على الهجوم الإسرائيلي غير المسبوق الذي استهدف الأسبوع الماضي مسؤولين من حركة ‘‘حماس’’ داخل الدولة الخليجية.
وافتتح الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر، الجلسة الافتتاحية، حيث أكد على أن ‘‘الدوحة تعرضت لاعتداء غادر، وأن العدوان الإسرائيلي كان صادماً للعالم بأكمله، تسبب في سقوط قتلى بينهم قطري’’، واصفاً الهجوم بأنه ‘‘عمل إرهابي جبان’’. وأشار إلى أن قطر تعمل منذ عامين كوسيط لإنهاء حرب الإبادة بغزة وإعادة الرهائن.
وشهدت الدوحة، يوم الأحد، اجتماعاً تحضيرياً لوزراء خارجية وممثلين من 57 دولة عربية وإسلامية، وقد أسفر الاجتماع عن تبنّي مسوَّدة قرار، أكدت أنّ الهجوم الإسرائيلي على الدوحة وغيره من التصرفات تهدد جهود تطبيع العلاقات مع الدول العربية.
وعشية القمة، وجهت الفصائل الفلسطينية رسالة إلى المجتمعين، دعت فيها إلى تبني “مواقف حاسمة” واستخدام “أوراق الضغط العربية”، بما في ذلك تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، والتلويح بسلاح النفط، وفرض عقوبات عربية شاملة على إسرائيل، في خطوة تراها الفصائل ضرورية لردع تل أبيب.
فيما جاءت ردود الفعل الدولية باهتة، حيث اكتفت بعض الدول الكبرى بالدعوة إلى ‘‘ضبط النفس’’، بينما تجاهلت إسرائيل رسمياً مخرجات القمة. في المقابل عبّرت قطاعات واسعة من الشارع العربي والإسلامي عن غضبها مما وصفته ب ‘‘التراخي الرسمي’’، ودعت إلى تحركات أكثر جرأة.
اقرأ أيضاً: لبحث استهداف الدوحة.. قمة عربية – إسلامية في قطر
أهداف القمة
وحول رسائل قمة الدوحة، توضح أستاذة العلوم السياسية، الدكتورة أريج جبر، أن القمة العربية الإسلامية الطارئة في قطر، جاءت لتؤكد وحدة الموقفين والتفافهما حيال الاستهداف الإسرائيلي الذي طال المكون العربي والإقليمي، في وقت تبدو فيه المنطقة بأكملها فوق صفيح ساخن بفعل سياسات إسرائيل وطموحاتها الجيوسياسية والجيوستراتيجية لاسيما مشروع إسرائيل الكبرى.
وتضيف في تصريحات لـ”963+”، أن انعقاد القمة كان استجابة “لحالة الغضب والغليان الرسمي العربي خاصة بعد استهداف العاصمة الدوحة المعروفة بنهجها الدبلوماسي السلمي وحيادها السياسي، حيث لعبت دور الوسيط المتزن بين حركة ‘‘حماس’’ وإسرائيل، ولكن ضرب الوسيط واستهداف المفاوض بالاغتيال يعكسان محاولة لعرقلة هذا الدور وإفشال مسار التهدئة”.
وتتابع جبر أن “قمة الدوحة تعكس وعياً عربياً بالمعايير المزدوجة التي يعتمدها المجتمع الدولي، ومحاولة لإعادة التأكيد أن العرب قادرون على صياغة موقف موحد وفرض أجندتهم، لا الاكتفاء بدور المتلقي أو رد الفعل، ولجم السياسات الإسرائيلية التي تسعى لصرف الأنظار عن جريمة ممنهجة تستهدف حق الفلسطينيين في تقرير المصير”.
من جانبه، يرى مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور غازي فيصل، أن أهداف القمة تتمثل في “اتخاذ مواقف مشتركة بين أكثر من 57 دولة، لتشكل عامل ضاغط على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي المسؤول عن ضمان الأمن والسلم في العالم، بسبب ما تتعرض له منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي من تدمير ممنهج منذ 7 أكتوبر 2023”.
قمة الدوحة: بين الرمزية والتحوّل
وفيما إذا كانت قمة الدوحة بداية تحوّل في العمل الجماعي، أم مجرد رد رمزي لاحتواء الغضب وتثبيت الموقف دون تصعيد فعلي، يجيب فيصل في تصريحات لـ”963+” أن “قمة الدوحة هي تحول نوعي مهم لأنها تعالج في نفس الوقت واحدة من القضايا الخطيرة التي تمس الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وهو ما يجعلها محطة بالغة الأهمية في سياق إعادة بناء المواقف الجماعية”.
وإلى جانب مناقشة الرد على الهجوم الإسرائيلي، يوضح فيصل أن قمة الدوحة اتخذت بعداً أوسع يتمثل في إعادة توجيه البوصلة السياسية العربية والإسلامية نحو القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية، وشكّلت القمة حالة ضغط متصاعدة تهدف إلى بلورة رأي عام إقليمي ودولي وأممي أكثر وعياً بمسألة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وبالتالي هذا يضع القمة في سياق أعمق من مجرد رد فعل، وفق قوله.
أمّا للدكتور أريج جبر رأي مخالف، فتعتقد أن القمة تمثل “رسالة سياسية رمزية أكثر من كونها تحولاً استراتيجياً، وتتوقع أن تواصل إسرائيل التصعيد بعدما اختبرت عجز الموقف العربي والإسلامي عن اتخاذ إجراءات عملية رادعة، وأيقنت أن جدية الموقفين تتخذ في مواجهة المقاومة وليس الكيان نفسه الذي استباح المنطقة ككل”.
ودائماً ما تأتي القمم العربية، سواء الطارئة أو العادية، كمسعى لصياغة وعي سياسي مشترك ووضع أولويات المنطقة على خريطة العمل العربي والإسلامي، “لكنها غالباً ما تولد ميتة، عاجزة عن التغيير أو التأثير”، وفق جبر.
وتنوه أستاذة العلوم السياسية إلى أن الدول المشاركة رغم إعلان استعدادها لتنفيذ ما يرد في بيانات القمم، “إلاّ أن الأمر يبقى في حدود الضغط المعنوي وإظهار صورة وحدة شكلية أكثر من كونه فعلاً ملموساً، وترجع السبب إلى غياب أدوات التنفيذ لدى العرب”، قائلةً: “لا تحالف عسكري، ولا قدرة على فرض عقوبات اقتصادية أو استخدام أذرع رادعة”.
ومع ذلك، ترى جبر أن انعقاد القمة في ظل موجة التطبيع العربي مع إسرائيل يعد خطوة مهمة، إذ يعيد التأكيد على ضرورة رسم خطوط حمراء، من أبرزها تجميد أو وقف العلاقات، وإعادة النظر في اتفاقات أبراهام والسلام والعلاقات التجارية، بعيداً عن التعويل على الولايات المتحدة أو المجتمع الدولي.
اقرأ أيضاً: واشنطن: سوريا ولبنان قد تنضمان لاتفاقيات التطبيع مع إسرائيل
ما بعد القمة: العلاقات العربية الإسرائيلية والمشهد التفاوضي
تقول جبر إن “القمة خلقت حالة وعي وإدراك بأن المنطقة برمتها مستهدفة، وأن ثمة حاجة لتفعيل المسارات القانونية والسياسية والديبلوماسية في الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن وفقاً للفصل السابع، والدعوة لعقد اجتماع طارئ للجمعية العامة للأمم المتحدة لاستصدار قرار يقضي بتجميد الاعتراف بالكيان الإسرائيلي ووقف العدوان الممارس على فلسطين، وكذلك اللجوء للمحاكم الدولية، بهدف عزل الكيان المارق وإظهاره كتهديد مباشر للسلم والأمن الدوليين”، وفق تعبيرها.
وتذهب جبر في حديثها إلى أن المفتاح الرئيسي لقمة الدوحة يكمن فيما إذا كانت بالفعل “ستشكل خارطة طريق جديدة للعلاقات العربية مع إسرائيل”.
وتردف قائلةً: ‘‘المواقف العربية متباينة، فبعض الدول متمسكة بالتطبيع بحكم الارتباطات الأمنية والاقتصادية، وأخرى قد تجمد العلاقات دون إلغائها، فيما تفكر دول أخرى في مراجعة جدوى الاستمرار’’.
لذا هذا التذبذب وفق الأكاديمية الأردنية، “يترك الموقف العربي أقرب إلى التصعيد الديبلوماسي من دون خطوات نوعية قادرة على عزل الكيان أو قلب المعادلة. أمّا إسرائيل من جهتها ستستثمر هذه اللحظة باعتبارها الفرصة المثالية لتطبيق رؤية اليمين المتطرف تحت شعار (إسرائيل الكبرى) وفرض معادلة ردع إقليمية جديدة عبر تهديد تركيا ومصر وتصعيدها ضد الفلسطينيين”، وفق جبر.
وتعتقد جبر أن المفاوضات بين حركة ‘‘حماس’’ وإسرائيل ستبقى مستمرة بوساطة قطرية ومصرية وأميركية، وتقول: “الجميع يعتبر استمرار المفاوضات ضرورة لتجنب انفجار إقليمي شامل، إسرائيل تستفيد من استمرار التفاوض كغطاء لممارساتها الميدانية، وإن حصلت هدنة فهي تربح بوقف الاستنزاف العسكري والتخلص من ورقة المحتجزين، كما أن حماس مضطرة لمواصلة المسار التفاوضي نظراً للوضع الإنساني في غزة ولوقف مساعي التهجير وإحباطها”.
ويلتقي فيصل مع جبر في نقطة أن المفاوضات بين ‘‘حماس’’ وإسرائيل “لن تتوقف رغم الهجوم على الوسيط القطري”، ويعتقد مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية أن واشنطن قد تلعب دوراً في إعادة الطرفين لطاولة التفاوض، لكنه يرى في الوقت ذاته أنه “من غير المرجح أن تتوقف إسرائيل عن استهداف قيادات ‘‘حماس’’ سواء داخل أو خارج غزة”.
ويتابع بأن إسرائيل تمتلك قوة عسكرية واستخباراتية متفوقة، “لذا الخشية من التصعيد المباشر أو التوتر الأمني قد يجعل بعض الدول تُفضل الإبقاء على العلاقات القائمة، ولو عند الحد الأدنى”.
ويختم فيصل حديثه بأن “التحدي الحقيقي لقمة الدوحة يبقى في ترجمة مخرجات القمة إلى خطوات عملية، والضغط على المجتمع الدولي لتطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بحل الدولتين والضغط من أجل إيقاف العمليات العسكرية والهجمات الإسرائيلية على غزة وبذل الجهود من أجل تطبيق المبادرة التي طرحها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب”.










