المشهد السياسي في المنطقة حافل بمفارقات صارخة. فـ”حماس” السنّية تستند إلى دعم إيراني شيعي، و”حزب الله” الشيعي اتكأ طويلاً إلى سند سنّي من أنصار “حماس” اللبنانيين. كانت تحالفات ملتبسة، والحجة المتخيّلة دائماً: فلسطين. فرغم أن “حماس” سنية تنتمي إلى فكر “الإخوان المسلمين”، فإن علاقتها بإيران الشيعية تطورت عبر العقود لتمثل واحدة من أقوى أشكال الدعم الاستراتيجي في المنطقة. بدأت هذه العلاقة في التسعينيات المبكرة، حين رأت طهران في دعم “حماس” فرصة لتوسيع نفوذها الإقليمي، وتسويق نفسها قوة إسلامية شاملة. والأهم من هذا كله أن “حماس” تضع طهران على حدود تل أبيب.
يقول الأميركيون إن إيران كانت ترسل 100 مليون دولار سنوياً لـ”حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وارتفع هذا الرقم إلى 350 مليون دولار سنوياً في 2023، عشية غزوة 7 أكتوبر. ولم يقتصر الدعم على المال فحسب، بل شمل التدريب والأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، حتى قيل إن عناصر حماس تدربوا في مناورات حية على الإنزال الجوي بالطائرات الشراعية في إيران، لينفذوا الهجوم المشهور فوق الجدار الفاصل.
شهدت العلاقة بين الطرفين توتراً حاداً في سنوات النزاع السوري، عندما انحازت “حماس” لإخوانها المسلمين السوريين ضد بشار الأسد، بينما ساندت إيران و”حزب الله” نظام البعث، فنقلت “حماس” قادتها من دمشق إلى الدوحة في 2012، وقطعت إيران تمويلها الشهري. إلا أن الضغوط الجيوسياسية بعد انقلاب السيسي على حكم محمد مرسي في مصر في 2013، والمساعي التي بذلها الراحل حسن نصر الله، أعادت “حماس” تدريجاً إلى الحضن الإيراني في 2017.
لبنانياً، نجح “حزب الله” في رسم تحالفات ظنها “استراتيجية” مع مجموعات عسكرية سنّية لبنانية، أبرزها “قوات الفجر” التابعة للجماعة الإسلامية، أي الإخوان المسلمين اللبنانيين. لم يكن هذا التحالف إلا مرحلياً، بان في ما سماه الحزب حرب “الإسناد” مع إسرائيل، لكنه خدم الطرفين مرحلياً: منح الحزب غطاء سنياً لعملياته في قرى سنية حدودية مثل شبعا، ووفر للجماعة الإسلامية فرصة لتعزيز مكانتها السياسية والشعبية، والحجة دائماً: فلسطين.
مثلت الحرب الأخيرة على لبنان نقطة تحول حاسمة في مسار “حزب الله” السياسي – العسكري، إذ خسر أمينين عامين و5000 مقاتل، وأصيب أكثر من 1000 آخرين بإعاقات دائمة، كما رضخ لاتفاقٍ لوقف النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، يعدّ غير مؤاتٍ له، إن كنا لا نريد استخدام لفظ آخر، وأُجبر على الانسحاب إلى شمال نهر الليطاني وتسليم المئات من مخازن السلاح في جنوب الليطاني للجيش اللبناني، وخسر جزءاً كبيراً من الدعم الشعبي، خارج بيئته المباشرة. فقد أظهر استطلاع المؤشر العربي – 2024 انخفاضاً في ثقة الطائفة الشيعية بـ”حزب الله”، بعدما تكشفت الحرب عن تكلفة باهظة ثمناً لسياسات الحزب. ومن كان يتقاضى من الحزب راتباً شهرياً، ربط به ولاءه العقائدي، سينفك عنه. فإيران لن تستطيع الاستمرار في تمويل نزواتها ونزوات حزبها، بسبب ضغوط اقتصادية تحد من قدرتها على دعم وكلائها. وهذا يعني أن “حزب الله” لن يستعيد كامل دعمه الشعبي من دون إعادة إعمار شاملة قد لا تتمكن إيران من تمويلها.
تشير هذه التحولات إلى أن المصالح الجيوسياسية والأداء العملي باتا أهم من الهويات المذهبية في تحديد مصير الحركات السياسية في المنطقة، تكتيكياً على الأقل. فبينما تواصل “حماس” الاستفادة من الدعم الإيراني رغم الاختلاف المذهبي، يدفع “حزب الله” ثمن اختياراته الاستراتيجية التي وضعت المصالح الإيرانية فوق المصالح اللبنانية، ما كلفه شرعيته المحلية وقاعدة دعمه التي كانت في لحظة حرب… عابرة للطوائف.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










