وسط تحديات الحرب وما خلفته من نزوح وشتات، برزت النساء السوريات كحاملات لذاكرة المجتمع وحراس لتراثه المهدد بالاندثار، إذ وجدن في الحكايات الشعبية والأغاني الفلكلورية والأزياء التقليدية والمطبخ وسيلة للمقاومة الثقافية وحماية الهوية الوطنية.
لم تكن هذه الجهود فردية، بل شكلت تيارًا متناميًا صان ملامح الثقافة السورية عبر الأجيال، في غياب المؤسسات الرسمية، من خلال البيوت والمبادرات المجتمعية ووسائط الإعلام الجديد. لم يقتصر دورهن على حفظ الماضي، بل ربطن الحاضر بالمستقبل بتعليم الأطفال الأغاني التراثية وإحياء الأزياء ونشر وصفات المطبخ، مؤكِّدات أن الحرب قد تدمر العمران لكنها عاجزة عن محو الذاكرة الجمعية.
واليوم، تبرز تجربتهن نموذجاً فريداً للصمود الثقافي والحفاظ على التنوع السوري كركيزة للهوية الوطنية، ورسالة للأجيال القادمة بأن التراث خط الدفاع الأول عن المجتمع في وجه النسيان.
النساء خط الدفاع الأول عن الذاكرة الثقافية
تؤكد الفنانة التشكيلية ناهد أحمد الهندي أن النساء السوريات لعبن الدور الأكبر في حماية التراث خلال سنوات الحرب، من خلال اللهجة واللباس الفلكلوري والمأكولات الشعبية والعادات والتقاليد، وترى أن المرأة بطبيعتها المرتبطة بالمنزل كانت الناقل الأساسي لما ورثته من أهلها وأجدادها إلى أبنائها، ما جعلها خط الدفاع الأول عن الذاكرة الثقافية السورية، خاصة في ظل النزوح الكبير الذي شهدته البلاد.
وتشير ناهد ابنة مدينة الرقة في حديثها لـ”963+” إلى أن النساء في الرقة حافظن على نقل الحكايات الشعبية والقصص المتوارثة، ومنها قصة “غيدة” الشهيرة، كما واصلن تعليم الأغاني الفلكلورية للأبناء.
وتضيف أن الأزياء التراثية ما زالت الهوية الأبرز في المدينة، حيث ظل سكان الرقة متمسكين بملابسهم التقليدية مثل “الزبون” و”الهباري” و”القصيرة” والمطرزات الخاصة التي تميز زيهم عن باقي الفلكلور السوري، كذلك، لم يغِب المطبخ الرقاوي عن المشهد، إذ حرصت النساء على تقديم أطباقه المميزة للضيوف مثل “الثريد” و”السياييل” و”الجيكة”، في محاولة لتثبيت هوية مدينتهن.
وحول اختيارها الرسم على الفخار، تقول الهندي إنها استلهمت هذا الطريق من تاريخ مدينتها التي اشتهرت منذ قرون بصناعة الفخار والزجاج، وتوضح.. “مهمتي كفنانة تشكيلية هي نقل تراث أجدادي والتعريف به، لذلك اخترت الرسم على الفخار لإحياء هذا الإرث”، وتشير إلى أنها تستلهم في أعمالها الرموز التراثية الموجودة في اللباس والطبيعة العربية، إلى جانب الأشكال الهندسية والنباتية، مؤكدة أن الفخار ليس مجرد مادة، بل ذاكرة حية تحمل ملامح المكان والناس.
وتختم بالقول “ما بقي في ذاكرتنا سنورثه لأبنائنا، وسأعمل على تعليم الرسم على الفخار وفتح دورات تدريبية، ليبقى أثر هذا التراث حاضرا ولا يندثر”.
التراث الشعبي مقاومة صامتة في وجه الحرب
ترى الفنانة التشكيلية السورية عبير النابلسي، المقيمة في الكويت، أن ارتباط المرأة السورية الوثيق بالبيت والأسرة جعلها الحاملة الأساسية للذاكرة الثقافية، والمسؤولة عن نقلها بشكل مباشر وملموس عبر الأجيال.
وتوضح في حديثها لـ”963+” أن النساء حافظن على التراث من خلال إعادة إنتاجه في تفاصيل حياتهن اليومية، سواء عبر الحكايات الشعبية، أو الأغاني الفلكلورية، أو إعداد الأكلات التقليدية، أو خياطة الأزياء الشعبية، ما جعل الذاكرة الثقافية السورية حاضرة رغم النزوح والشتات.
وتؤكد النابلسي أن جهود النساء برزت في مختلف أشكال التراث، لكن المطبخ والأزياء كان لهما الحضور الأكبر لارتباطهما المباشر بدور المرأة في البيت واستمرارية الحياة اليومية، وتضيف أن تمسك النساء بالتراث الشعبي في ظروف الحرب لم يكن مجرد ممارسة اعتيادية، بل شكل فعل مقاومة صامتة ضد محاولات المحو والاقتلاع، وإصرارا على صون الهوية السورية في الداخل والخارج.
وحول أبرز التحديات، تشير النابلسي إلى أن التهجير وفقدان الاستقرار وأعباء المعيشة القاسية كانت من أهم ما أعاق النساء في الحفاظ على التراث، فضلًا عن صعوبة ممارسة الطقوس التراثية في بلدان جديدة، ومع ذلك، استطاعت النساء تحويل تفاصيل حياتهن اليومية إلى جسور ثقافية متجددة، من خلال أطباق تحمل ذاكرة المكان، وأغانٍ وحكايات تبقي اللغة والهوية حية في وجدان الأطفال.
دور النساء في صون الذاكرة الشعبية
يقول حسن أحمد، الناشط في منظمات المجتمع المدني، لـ”963+” أن النساء السوريات لعبن دوراً محورياً في حفظ التراث الشعبي خلال سنوات الحرب والنزوح، حيث تحولن إلى حاميات لذاكرة جماعية عبر الحكايات والأغاني والمطبخ والأزياء الشعبية، في المخيمات والمهجر وكأنهن يؤسسن جبهة صامدة في وجه النسيان.
ويؤكد أن النساء كن في المقدمة لأنهن تاريخياً حاملات الثقافة اليومية ومصدرها الأول، ولأن الحرب أجبرتهن على تحمل مسؤوليات إضافية في غياب الرجال، ويشير إلى أن منظمته رصدت مبادرات نسائية ملهمة، مثل توثيق الحكايات، تنظيم ورش للمطبخ السوري، وتعليم الفتيات التطريز وإحياء الدبكة في المخيمات.
ويشير أحمد إلى أن منظمته رصدت مبادرات نسائية ملهمة في هذا السياق منها جمع الحكايات الشعبية وتوثيقها صوتيا، وإحياء المطبخ السوري التقليدي عبر ورش عمل ومعارض، إلى جانب تعليم الفتيات التطريز الفولكلوري وإقامة عروض دبكة وأغانٍ شعبية داخل المخيمات، بهدف صون الهوية الثقافية في بيئات مهجرة.
ويختم بالقول إن النساء السوريات يقدمن رسالة صمود للعالم.. “الثقافة لا تموت بالحرب، والوطن يمكن أن يسكن في حكاية أو زي أو نغمة تحفظها امرأة أينما كانت”.










