تواجه قوات سوريا الديموقراطية مرحلة مفصلية في مسارها السياسي والعسكري، حيث تنظر في خيارات متعددة تشمل التفاوض مع الحكومة السورية أو فتح قنوات تواصل محتملة مع تركيا. ويقدم كل من المسارين فرصاً وتحديات خاصة به، ما يجعل القرارات المرتبطة بهما خاضعة لحسابات دقيقة على المستويين الداخلي والإقليمي.
ويرتبط المسار مع دمشق بإمكانية الحصول على اعتراف سياسي وشرعية مؤسساتية، بما قد يسمح بدمج الإدارات المحلية والمؤسسات المدنية التابعة لقسد ضمن الهياكل الرسمية للدولة السورية.
ومع ذلك، تبقى قضايا مثل إدارة الموارد وانتشار القوات من أبرز الملفات التي قد تعرقل أو تؤخر أي اتفاق محتمل.
أما المسار المتعلق بتركيا، فيرتبط بالمعادلات السياسية والأمنية الإقليمية. فأنقرة، باعتبارها طرفاً مؤثراً في الملف السوري ولها تواصل مباشر مع الحكومة السورية، تضع شروطاً ومعايير واضحة تجعل أي تقارب مع قوات سوريا الديموقراطية مرهوناً بتوازن المصالح الثنائية وبالظروف الإقليمية الأوسع.
وبين هذين الخيارين، تجد “قسد” نفسها أمام معادلة معقدة تجمع بين أبعاد سياسية وأمنية واقتصادية، ما يجعل منطقة شمال وشرق سوريا في موقع حساس.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى الإدارة الذاتية مطالَبة بإدارة خياراتها بحذر، سعياً لتحقيق مكاسب مع الحفاظ على الاستقرار، فيما تظل النتائج النهائية لأي من المسارين غير محسومة في الوقت الراهن.
اقرأ أيضاً: ما مصير اتفاق 10 مارس بين قسد والحكومة بعد مؤتمر الحسكة؟ – 963+
قسد تواجه خيارات دقيقة بين دمشق وأنقرة
يرى كادار بيري، مدير مؤسسة كرد بلا حدود في باريس، في حديثه لـ”963+” إن موقع قوات سوريا الديموقراطية اليوم بين دمشق وأنقرة يعكس مرحلة دقيقة تتطلب دراسة معمقة للخيارات المتاحة.
ويضيف: “قسد تدرك جيداً أهمية الحوار مع الحكومة السورية في دمشق وعقد الاتفاقيات، بغض النظر عن من يحكم العاصمة”.
ويوضح أن المفاوضات بين الطرفين كانت مستمرة حتى في فترة حكم النظام السابق، مؤكداً أن الحوار مع دمشق ضروري لحل المعضلة السورية بشكل عام والقضية الكردية بشكل خاص.
ويشير بيري إلى “أن قسد تمثل شمال وشرق سوريا بكل مكوناته، وأن الخيارات أمامها غالبا ما كانت صعبة على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، بسبب ضغوط متواصلة من دمشق والمعارضة السورية والدول الإقليمية، ولا سيما تركيا، التي فرضت أجنداتها على الطرفين”.
وعن إمكانية المفاوضات مع دمشق لتحقيق اعتراف سياسي واندماج مؤسساتي أكثر استقرارا، يوضح بيري أن المفاوضات ليست بهدف الاعتراف بقسد، فهي معترف بها فعليا في سوريا، وقد ازدادت شعبيتها مؤخرا نتيجة تصرفات حكومة دمشق التي لم تتمكن من ضبط العناصر العسكرية في جيشها الجديد.
ويؤكد أن اندماج المؤسسات العسكرية والمدنية لقسد هو جزء من الحل السوري الشامل.
وفيما يخص التواصل مع أنقرة، يرى بيري أن هذا الخيار مرتبط بسيطرة تركيا على المؤسسات العسكرية والسياسية السورية، ووجود شخصيات موالية لها في المراكز الحكومية، مشيرا إلى أن أي حل مع دمشق مرتبط بالحوار مع تركيا، لأن الحكومة السورية الجديدة لا تتحرك إلا بموافقة أنقرة.
ويوضح أن تركيا تربط حل القضية الكردية في سوريا بمشاكلها الداخلية، وتعمل على منع حصول الأكراد في سوريا على حقوقهم، مستعرضا تدخلاتها السابقة في مناطق مثل عفرين ورأس العين وتل أبيض.
وتطرق بيري إلى الدور الدولي في رسم حدود خيارات قسد، مشيرا إلى وجود الولايات المتحدة ضمن التحالف الدولي، والدور الأوروبي عبر فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلى جانب تدخلات إقليمية تركية وإيرانية وعربية، مؤكداً أن الدور الفرنسي يبقى بارزا في الملف السوري، رغم محاولات تركيا إبعاده، ولفت إلى أن تصريحات دمشق وأنقرة تجاه قسد تعكس أحيانا الرغبة في إبراز مسارين منفصلين، لكن الواقع السياسي يجعل المسارين مرتبطين ببعضهما بشكل وثيق.
وعن قدرة “قسد” على التوازن بين دمشق وأنقرة، يقول بيري إن الإدارة الذاتية تمكنت من قيادة المرحلة بين طرفين متناقضين، وحافظت على حياد نسبي، كما قادت مجتمعات شمال وشرق سوريا بكل مكوناتها نحو استقرار نسبي، مؤكداً أن “قسد خاضت معارك عديدة ضد الإرهابيين وتتمتع اليوم بقوة مجتمعية ومؤسساتية تجعلها قادرة على مواجهة أي تحديات جديدة من الحكومة السورية أو الأطراف الأخرى”.
ويشير بيري إلى نقاط القوة في قسد، وقال إنها “تمتلك نسيجا متعايشا ومتجانسا على عكس باقي المناطق السورية، وقد نجحت في الحفاظ على استقرارها رغم التحريض الإعلامي والطائفي”، مضيفا أن “أي حل مستقبلي للحكومة السورية الجديدة يجب أن يشمل التفاوض الجدي مع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا للوصول إلى حلول جذرية لا ترقيعية”.
وأخيرا، حول السيناريو الأقرب للواقع، يعتبر بيري أن المسار الفيدرالي في سوريا هو الأكثر احتمالًا، مع تراجع بعض الضغوط الخارجية من تركيا وأطراف أخرى، مؤكدا أن تجربة التراجع عن التصريحات الأميركية المتناقضة حول وحدات حماية الشعب تشير إلى إمكانية الوصول إلى نوع من اللامركزية، بعيداً عن نظام مركزي شديد في دمشق.
اقرأ أيضاً: الشرع: أشهر قليلة تفصل عن تنفيذ اتفاق 10 آذار مع “قسد” – 963+
المسار التركي محور رئيسي في خيارات قسد
يعتبر حازم الغبرا، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، في لـ”963+” أن “المشكلة التي تواجهها قوات سوريا الديموقراطية تحمل بعدين رئيسيين: البعد التركي والبعد السوري الداخلي، وأكد أن العمل على الشقين معا ضروري، وأن أي طرف بمفرده لا يمكن أن يحل القضية بالكامل”، لكنه يشير إلى أن إنهاء الخلاف مع الجانب التركي يسهل بشكل كبير التوصل إلى اتفاق مع حكومة دمشق.
ويوضح الغبرا أن الحوار مع تركيا أساسي، مشيراً إلى أن الخطر العسكري الأكبر على قسد يأتي من تركيا وليس من دمشق، وهو ما يجعل التركيز على المفاوضات مع أنقرة منطقيا وصحيا.
ويضيف أن المنطقة تشهد تغيرات كبيرة، بما فيها التحولات في الأحزاب الكردية المعارضة لحكم أنقرة والتغيرات الهيكلية في سوريا، ما يجعل معالجة المشاكل المتراكمة منذ عقود عملية معقدة لا تُحل بين ليلة وضحاها.
ويشير الغبرا إلى أن الخيارات الاستراتيجية أمام قسد واضحة، وأن الدعم الأميركي يظل عاملاً أساسيا، وقال إن السياسة تُبنى على مزيج من العقبات والفرص، وأن قسد تنظر إلى الفرص المتاحة مع هذه التحولات في إطار سعيها لتأمين أفضل النتائج لمكونات منطقتها، وأضاف أن أي عملية تغيير تتطلب أخذ ورد وحوار مستمر للوصول إلى حلول وسطية مقبولة للجميع.
وحول دور الولايات المتحدة، يشير الغبرا إلى أن واشنطن تؤيد أي موقف يساهم في نزع فتيل الأزمات وإتاحة فرص سلام أفضل في المنطقة، ويلفت إلى دعم المبعوث الخاص لسوريا، توم باراك، لأي حوار إيجابي بين الأطراف، مؤكداً أن المسار التركي يعتبر المسار الأساسي والأولوية القصوى قبل معالجة أي مسارات أخرى، وأن الملف الإقليمي يبقى مهماً، لكن ملف قسد يتركز بشكل أساسي بين دمشق وأنقرة، دون رهان على طرف واحد فقط.










