شهد نفوذ حركة النهضة التونسية، الذراع الإخواني الأبرز في تونس، تراجعاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة على الصعيدين السياسي والتنظيمي، وسط تقلص قاعدة مؤيديها وتصاعد الرفض الشعبي لتوجهاتها الفكرية والسياسية.
ويأتي هذا التراجع بعد أكثر من أربعة عشر عاماً على الثورة التونسية عام 2011، التي جاءت احتجاجاً على التردّي الاقتصادي والاجتماعي وغياب الحريات، حيث وجد التونسيون أن الوضع لم يتحسن، بل أن بعض القطاعات الإنتاجية شهدت تدهوراً إضافياً.
وتأسست حركة النهضة بشكل سري عام 1972 وتحولت من حركة دعوية محظورة في عهد الرؤساء الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، إلى حزب سياسي بعد 2011، معلنة الفصل بين العمل الدعوي والسياسي، إلا أنها حافظت على علاقة ضمنية بالتنظيم الدولي للإخوان، كما يوضح حضور قياداتها في اجتماعات الإخوان العالمية، لا سيما بعد أزمة الإخوان في مصر عام 2013.
اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي السوري بين براغماتية الحكم ومأزق الهوية – 963+
ويقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي باسل ترجمان، إن حركة النهضة التونسية مثل جميع أحزاب الإسلام السياسي التي ظهرت في المشهد بعد الربيع العربي واجهت حقائق صعبة تتمثل في أنها لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتداول السلمي للسلطة.
ويضيف ترجمان في حديث لـ”963+”، أن النهضة جاءت ضمن “صفقة” تعميم مشهد تولي الإسلام السياسي الحكم في المنطقة العربية بعد الثورات التي شهدتها المنطقة، وأن كل ما حدث لاحقاً للحركة هو نتيجة طبيعية للأخطاء والخطايا التي ارتكبتها بعد سقوط النظام التونسي.
ويشير إلى أن الحركة تواجه مشاكل كبرى داخلياً على المستوى التنظيمي، خاصة في رفض تداول السلطة، وهو الأمر الذي تجلى بوضوح عندما استمر رئيس الحركة في منصبه لعقود ضمن ثقافة المبايعة، ما أضعف أداء الحركة ومصداقيتها أمام قواعدها الشعبية.
ويرى ترجمان، أن القاعدة الجماهيرية التي كانت تتبع حركة النهضة اكتشفت زيف ما تدعيه الحركة من قيم ومبادئ، ولذلك تخلت عنها، ما أدى إلى فقدان النهضة لمصداقيتها في الشارع التونسي وأضعف حضورها السياسي على المدى الطويل.
مؤشرات تراجع الشعبية
على الرغم من أن حركة النهضة حققت نجاحاً كبيراً في الانتخابات التشريعية لعام 2011، حيث حصلت على 89 مقعداً من أصل 217 مقعداً في المجلس الوطني التأسيسي، محققة صدارة المشهد السياسي ومتربعاً على طموحات التونسيين، إلا أن وضعها تغير لاحقاً في الانتخابات اللاحقة.
في انتخابات 2014، تراجعت النهضة إلى المرتبة الثانية في البرلمان، بحصولها على 69 مقعداً فقط، خلف حزب نداء تونس الذي استحوذ على 85 مقعداً، واستمر هذا التراجع في الانتخابات التشريعية لعام 2019، حيث حصلت النهضة على 52 مقعداً من أصل 217 مقعداً، ما عكس فقدانها لقاعدتها الشعبية ونفوذها السياسي مقارنة بفترة ما بعد الثورة مباشرة.
ويؤكد المحاضر بجامعة السوربون في فرنسا محمد هنيد، إن حركة النهضة التونسية تعيش حالياً حالة كمون، بمعنى أن الحركة في حالة جمود سياسي لا تستطيع التحرك بشكل فعّال على الساحة السياسية، وذلك بسبب اعتقال معظم قياداتها أو ملاحقتها قضائياً، إلى جانب التراجع الكبير في قاعدة الحركة الشعبية نتيجة العجز عن إدارة المرحلة الانتقالية التي شهدتها تونس بعد سقوط نظام البلاد عام 2011.
ويوضح في تصريحات لـ”963+”، أن حركة النهضة تملك تاريخاً طويلاً في التعامل مع الملاحقات القضائية والأمنية، لكنها تواجه الآن وضعاً مختلفاً عن الماضي، لأنها كانت سابقاً حركة معارضة، بينما بعد الثورة أصبحت شريكاً أساسياً في الحكم وفشلت في ذلك.
اقرأ أيضاً: جدل حل “الإخوان” في سوريا: بين ضرورات الاستقرار ومخاطر الإقصاء – 963+
ويرى، أن الحركة أدت دوراً كارثياً عندما تولت جزءاً من زمام الحكم في تونس، ما أثر بشكل سلبي على نسيجها الجماهيري وأدى إلى تراجع التعاطف الشعبي معها، كما أثّر على قيادات داخل الحركة التي فضّلت التراجع في ظل الظروف الجديدة.
وعلى ذلك فإن جزءاً كبيراً من الانتقادات الموجهة للحركة صحيح، وهو صادر عن قيادات الحركة نفسها، خاصةً فيما يتعلق بعجزها عن تمرير القوانين والتشريعات الأساسية مثل قانون المحكمة الدستورية، وقانون تحصين الثورة، وقوانين أخرى مفصلية، وفقاً لما ذكره “هنيد”.
ويضيف، أن التنبؤ بمستقبل حركة النهضة وإمكانية استعادتها للقاعدة الجماهيرية أمر صعب، خصوصاً أنها خسرت قاعدة كبيرة من مؤيديها أثناء فترة الحكم، كما أنها لم تقم حتى الآن بمراجعات عميقة لما حدث، أو بإعادة هيكلة نفسها وتجديد خطابها، مما يزيد من صعوبة استعادة مكانتها السابقة على الساحة السياسية التونسية.
ومطلع تموز/ يوليو الماضي، أصدرت محكمة تونسية أحكاماً بالسجن تراوحت بين 12 و35 عاماً بحق عدد من الشخصيات السياسية، من بينهم راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، وذلك في إطار ما يعرف إعلامياً بـ”قضية التآمر على أمن الدولة 2″، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام تونسية.
وشملت التهم الموجهة نحو عشرين شخصية سياسية، من بينهم نادية عكاشة، المديرة السابقة لديوان الرئيس قيس سعيّد، ورفيق عبد السلام، صهر الغنوشي ووزير الخارجية السابق، وصدرت على كل من عكاشة وعبد السلام صدرت بحقهم أحكام غيابية بالسجن لمدة 35 عاماً، في الوقت الذي يقيمان فيه خارج تونس.
وحكم على نحو 40 متهماً، بينهم معارضون بارزون في نيسان / أبريل الماضي، بالسجن لفترات تتراوح بين 13 و66 عاماً في قضية اعتبرت سابقة في تاريخ تونس، وجاءت التهم تحت عنوان “التآمر على أمن الدولة”.










