شهدت الساحة السورية تحوّلاً دراماتيكياً مع تعيين أحمد الشرع، القائد السابق لـ”هيئة تحرير الشام”، رئيساً لسوريا في 29 كانون الثاني/ يناير 2025، بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد الذي لجأ إلى روسيا. هذا التحول – من زعيم فصيل جهادي مسلّح إلى رئيس دولة – مثّل صدمة سياسية أعادت رسم خريطة الإسلام السياسي في سوريا والمنطقة، وطرحت أسئلة عميقة حول مستقبل العلاقة بين الهوية العقائدية ومصالح الحكم.
من فصائل جهادية إلى سلطة دولة
باشر الشرع خطوات سريعة لحلّ مؤسسات حزب البعث، إلغاء الدساتير السابقة، دمج الفصائل المسلحة في الجيش الجديد، وتشكيل حكومة انتقالية بمجلس تشريعي مؤقت. أولوية هذه المرحلة – كما أعلن – تتمثل في السلم الأهلي، مكافحة الفساد، العدالة الانتقالية، وحماية الأقليات، إلى جانب إعادة إعمار الدولة المتهالكة.
الباحث المصري المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة، مصطفى أمين عامر، يرى في تصريحات لـ”963+” أن هذا المسار يعكس “براغماتية متعمدة” ارتبطت بمشروع الشرع منذ أن كان أبو محمد الجولاني. فالرجل – بحسب عامر – “نجح في نقل مشروعه من الفكر الجهادي العابر للحدود إلى نموذج محلي أكثر التصاقاً بالواقع السوري”، وهو ما مكّنه من حشد التأييد الشعبي والفصائلي، والتحوّل من قيادة جهادية إلى قيادة دولتيّة.
ويضيف عامر أن هذه الخصوصية السورية تميّزها عن تجارب الإسلام السياسي في مصر أو تونس أو المغرب، حيث فشلت محاولات الإخوان في الحكم. ففي سوريا، جاءت التجربة من رحم جماعات مسلحة أسقطت النظام السابق، وبالتالي يصعب مقارنتها أو تعميمها.
اقرأ أيضاً: جدل حل “الإخوان” في سوريا: بين ضرورات الاستقرار ومخاطر الإقصاء – 963+
الإسلام السياسي بين الهوية ومصالح الحكم
التحوّل من فصيل مسلّح إلى سلطة انتقالية أفرز مأزقاً واضحاً: كيف يوازن الإسلاميون بين هويتهم العقائدية التي طالما رفعت شعار مقاومة إسرائيل، وبين مقتضيات الحكم واستقرار السلطة؟ حتى الآن، جاء الجواب على حساب الهوية، إذ تم تهميش القضية الفلسطينية لصالح أولويات داخلية كإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية.
عامر يوضح أن هذا التراجع لم يكن خياراً فكرياً بقدر ما هو “حسابات براغماتية مرتبطة بشبكة تحالفات إقليمية ودولية”. فالنظام الجديد – وفق تحليله – حرص على بناء علاقات مع الولايات المتحدة والحصول على رفع العقوبات، وهو ما تطلّب إعادة صياغة الخطاب السياسي بحيث يتناسب مع مصالح واشنطن وحلفائها، ولو على حساب “القضية المركزية”.
إسرائيل… تفاهمات بلا إعلان
رغم غياب أي إعلان رسمي عن تطبيع أو اتفاقات مع إسرائيل، إلا أنّ المؤشرات السياسية والأمنية تشير إلى وجود قنوات خلف الكواليس. إسرائيل تسعى لضمان هدوء حدودها الشمالية، بينما يحرص النظام الانتقالي على تحييد أي مواجهة قد تربك مشروعه في تثبيت الحكم.
الخبير العسكري والاستراتيجي نضال أبوزيد يؤكد لـ”963+” أن “المؤشرات الراهنة تدل على وجود مسار متقدّم نحو اتفاق أمني سوري – إسرائيلي”.
ويكشف أن مباحثات أولية جرت في باكو وأوروبا، بوساطة تركية، هدفت إلى صياغة تفاهم أمني يحد من الهجمات الإسرائيلية ويمنع استغلال الورقة الطائفية داخل سوريا.
لكنه يشدّد على أن دمشق ترفض تحويل هذا التفاهم إلى “معاهدة سلام شاملة”، وتتمسك به كترتيب أمني مؤقت لتجنّب مواجهة غير متكافئة، بينما تعتبره إسرائيل خطوة أولى نحو تسوية سياسية أوسع.
ويضيف أن المخاطر كامنة في احتمالية “اختراق الأجهزة الأمنية السورية الوليدة من قبل إسرائيل”، خصوصاً أن هذه الأجهزة ما زالت ضعيفة الخبرة وتخضع لإعادة بناء بدعم تركي يستلهم نماذج من عقيدة الناتو.
اقرأ أيضاً: مفاوضات سورية – إسرائيلية: هل تفتح باب التطبيع أم ترسم حدوداً جديدة؟ – 963+
بين الضغوط الدولية وتآكل الهوية
مصالح الحكم دفعت الإسلام السياسي السوري الجديد إلى تراجع كبير عن الخطاب القومي والديني السابق. ومع الانفتاح البراغماتي على إسرائيل، يجد الشرع نفسه أمام معادلة معقدة: الحفاظ على دعم القوى الدولية والإقليمية عبر سياسات معتدلة، مقابل خسارة شرعية قاعدته الإسلامية.
يوسف دياب، الكاتب والباحث السياسي، يرى أن الحديث عن “تطبيع” ما يزال مبكراً، موضحاً أن الشرع “لا ينطلق من أيديولوجيات إسلامية أو أصولية، بل من رؤية وطنية تسعى لبناء دولة متعددة ومتنوعة”.
ويضيف لـ”963+” أن الشرع يحظى بدعم عربي ملحوظ، ظهر جلياً في لقائه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي رتّب لاحقاً اجتماعاً تاريخياً بينه وبين الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض.
ويشير دياب إلى أن هذا الدعم العربي – المقترن برقابة دولية – يمنح الشرع شرعية خارجية قوية، لكنه لا يعفيه من التحديات الداخلية المتعلقة بترميم الثقة مع المجتمع السوري، ولا سيما الفئات التي ترى في مساره تخلياً عن القضايا الإسلامية المركزية.
وتمثل تجربة الشرع في رئاسة سوريا، أكبر اختبار للإسلام السياسي في تاريخه الحديث. فبحسب عامر، يمكن القول إن الشرع أعاد تعريف مشروعه من قيادة جهادية عابرة للحدود إلى صيغة حكم محلي تسعى إلى بناء دولة.
أما أبوزيد فيرى أن المسار الأمني مع إسرائيل يشكّل خطوة اضطرارية لحماية الداخل السوري، رغم مخاطره على استقلال القرار الأمني.
بينما يعتبر يوسف دياب أن الشرع يقود سوريا برؤية وطنية تحظى بدعم عربي ودولي، بعيداً عن خطاب الإسلام الأصولي.










