بعد سنوات من النزاع الدامي الذي أنهك البلاد، يجد مقاتلون أجانب قدموا من مختلف بقاع العالم أنفسهم أمام مفترق طرق مصيري، فبعد مشاركتهم في الحرب السورية إلى جانب فصائل المعارضة، والتي أسفرت عن الإطاحة بالنظام السابق، يتوجه هؤلاء إلى الحكومة الجديدة ذات التوجه الإسلامي مطالبين بالحصول على الجنسية السورية كمكافأة على ما قدموه من تضحيات.
هذه المطالب تضع السلطات الجديدة أمام معضلة سياسية وإنسانية شائكة، خاصة في ظل رفض العديد من الدول استعادة مواطنيها الذين تعتبرهم عناصر متطرفة، بينما يبدي جزء من المجتمع السوري قلقاً متزايداً من وجودهم. الوضع القانوني لهؤلاء المقاتلين وأسرهم يظل هشاً، فالكثيرون منهم لا يملكون وثائق ثبوتية سارية، بل إن بعضهم جُرد من جنسيته الأصلية ويواجه خطر الملاحقة القضائية أو حتى الإعدام في بلاده الأم.
عرائض ووعود.. الأجانب ينتظرون
في منعطف جديد، قدم الممثل الكوميدي الأميركي المتحول إلى مراسل عسكري، بلال عبد الكريم، والذي يقيم في سوريا منذ 2012، عريضة رسمية إلى وزارة الداخلية السورية نيابة عن آلاف الأجانب من أكثر من عشر دول. ناشدت العريضة القيادة السورية منحهم الجنسية تمكيناً لهم من الاستقرار وتملك الأراضي والسفر بشكل قانوني، معتبرين ذلك تتويجاً عادلاً لتضحياتهم في “تحرير سوريا من قبضة الأسد”، وفق ما ذكر تقرير لوكالة “رويترز”.
لكن القرار ليس سهلاً، فمنح الجنسية قد يثير استياء السوريين والدول الدولية التي تسعى الحكومة الجديدة لكسب دعمها في عملية إعادة الإعمار. كما أن ملف هؤلاء المقاتلين يبقى شديد الحساسية بسبب اتهامات سابقة لهم بارتكاب أعمال عنف طائفية، ناهيك عن التحديات الأمنية والمجتمعية التي قد تنجم عن إدماجهم.
بينما يرى بعض المقاتلين أن الوقت حان لبناء حياة جديدة بعيداً عن ساحات القتال، خاصة مع وجود أطفال يحتاجون إلى مستقبل مستقر، يظل هذا الملف معلقاً بين مطرقة المطالب الإنسانية وسندان الاعتبارات السياسية والأمنية، في انتظار قرار رئاسي سيحدد مصير آلاف الأشخاص العالقين في مطب قانوني ووجودي.
وبحسب “رويترز” التي نقلت عن صاحب الرسالة قوله: إن الطلب سيستفيد منها آلاف الأجانب من أكثر من 10 دول. ويشمل ذلك مصريين وسعوديين ولبنانيين وباكستانيين وإندونيسيين ومواطنين من جزر المالديف، بالإضافة إلى بريطانيين وألمان وفرنسيين وأمريكيين وكنديين وأشخاص من أصل شيشاني ومن قومية الإيغور.
اقرأ أيضاً: أزمة المقاتلين الأجانب في سوريا!
وكانت الولايات المتحدة حتى مطلع أيار/مايو الماضي تطالب القيادة الجديدة باستبعاد المقاتلين الأجانب من قوات الجيش والأمن، لكن نهجها تجاه سورية شهد تغيراً كبيراً منذ جولة الرئيس ترامب في الشرق الأوسط. ووافق ترامب خلال هذه الجولة على رفع العقوبات المفروضة على سوريا، والتقى بالرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض وعيّن باراك مبعوثاً خاصاً له.
ومطلع حزيران/يونيو الماضي أعلن باراك أن الولايات المتحدة وافقت على خطة طرحتها القيادة السورية للسماح لآلاف المقاتلين الأجانب بالانضمام للجيش، شريطة أن يحدث ذلك بشفافية. وأضاف وقتذاك: “أعتقد أن هناك تفاهماً وشفافية. من الأفضل إبقاء المقاتلين، وكثير منهم مخلصون جداً للإدارة السورية الجديدة، ضمن مشروع الدولة بدلاً من إقصائهم”، حسب ما نقلت وكالة “رويترز”.
ونقلت الوكالة حينها؛ عن ثلاثة مسؤولين دفاعيين سوريين إنه بموجب الخطة، فإن نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الأويغور من الصين والدول المجاورة، سينضمون إلى وحدة جرى تشكيلها حديثاً، وهي الفرقة 84 في الجيش السوري، التي ستضم أيضاً سوريين.
يقول عبد الناصر القادري، صحفي سوري يقيم في إسطنبول لـ”963+”، إن الحكومة السورية تتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب بحذر واهتمام بالوقت نفسه، فهؤلاء المقاتلون كان لهم حضور مهم في قتال النظام، خصوصاً في معركة إسقاطه، والتخلي عنهم يعد أمراً سلبياً على الحكومة قبل غيرها، كما أنها لا تعلن بشكل مباشر أنها ستمنحهم الجنسية أو حق المواطنة.
عقبات دستورية.. طريق التجنيس طويل
يضيف أن التجنيس يحتاج إلى إقرار قانون، والقوانين مرتبطة بوجود مجلس شعب أو مجلس تشريعي يتيح للرئيس أحمد الشرع وحكومته التصرف من خلالها بهذا الملف، وهذا مؤجل وغير مستعجل بكل الأحوال، خصوصاً في إطار مساعي الحكومة السورية لدمج هؤلاء المقاتلين في صفوف الجيش، ومنع أي مخاطر مستقبلية لأي عنصر على أي دولة ينحدر منها.
ويشير إلى أن الغرب والولايات المتحدة يرفضان تماماً أي تجنيس أو دمج لهؤلاء المقاتلين، ويفضّلان إعادتهم أو محاكمتهم خارج سوريا. إسرائيل ترى في بقائهم تهديداً أمنياً مباشراً وترفض أي محاولة لإدماجهم في المجتمع السوري. وهكذا، يتحول الملف من قضية محلية إلى ورقة صراع إقليمي ودولي.
ويعتبر الدكتور أيمن الرقب، استاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن ملف المقاتلين الأجانب من أكثر الملفات التي تواجه الحكومة تعقيداً في ظل واقع دولي يرفض تواجدهم، خاصة أنهم قاتلوا في فترات سابقة ضمن فضائل عسكرية وجماعات إسلامية متطرفة كما أن بعضهم كان ضمن صفوف “جبهة النصرة”.
اقرأ أيضاً: تجنيس المقاتلين الأجانب في سوريا: مبادرة مثيرة للجدل تكشف ملامح معركة الانتقال الصعبة
ويرى أن الحكومة السورية ستجد نفسها مجبرة على معالجة ملف هؤلاء المقاتلين لتحقيق علاقات سوية مع مختلف القوى الدولية، مضيفاً أن الحكومة السورية الجديدة ستعمل على منح الجنسيات للمقاتلين الأجانب لكن الأمر يتطلب المزيد من الوقت.
ويضيف لـ”963+” أن “الحكومة ستواجه مشاكل في حال كان هناك أشخاص مطلوبين دوليا بتهم الإرهاب، لذا تقف دمشق بين رغبتها في رد جميل المقاتلين ومخاوف من الانقلاب عليها وكذلك إرضاء القوى الدولية، خاصة أن بعض الدول العربية والأجنبية لديها تحفظات حول المقاتلين وتطلب تسليمهم”.
ويشير إلى أن دمشق تعمل على ترتيبات معينة مع الإدارة الأميركية حول معالجة هذا الملف، مضيفاً أن تطور العلاقة بين واشنطن ودمشق من شأنه أن يؤمن للإدارة السورية الجديدة منفذاً من هذا الملف، رغم أن هذا الامر له تداعيات على دمشق إلا أنها لا زالت تعمل عليه.










