أعلنت وزارة الدفاع السورية أواخر أيار/ مايو الماضي، عن دمج جميع الفصائل في الجيش السوري الجديد، وقال وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، إن الوزارة التقت نحو 130 فصيلاً عسكرياً لمناقشة الهيكلية الجديدة للجيش، وحققت نجاحاً كبيراً في عملية دمجها، “لبناء جيش احترافي بعقيدة عسكرية واضحة”، لكن لا يزال هناك حديث عن استمرار للحالة الفصائلية داخل الوزارة وهو ما تجلى خلال الأحداث التي شهدتها مناطق سورية متفرقة كالساحل والسويداء، وارتكاب بعضها ممارسات معينة، ما يجعل من الوصول إلى جيش وطني بمعايير صحيحة مهمة تعترضها الكثير من المعوقات.
وزير الدفاع السوري أشار في تصريحات لقناة “الإخبارية” السورية حينها، إلى أن “الوزارة لن تسمح بوجود سلاح خارج سلطة الدولة، لأن ذلك لا يساعد على تحقيق الاستقرار”، لافتاً إلى أن “الوزارة تقوم بخطوات مدروسة لنقل الجيش من الحالة الثورية إلى الحالة المؤسساتية، ووضعت معايير عدة للانتساب إلى الجيش منها البنية السليمة وحسن السلوك والشهادة العلمية، وستعلن عن استقبال طلبات الانتساب للكلية الحربية بعد صدور نتائج الثانوية العامة، وأنهم اختاروا أن يكون الجيش تطوعياً وليس إجبارياً كي لا يلتحق به إلا الجنود المخلصون”.
إعادة بناء المؤسسة العسكرية
وطفت على السطح بعد سقوط نظام بشار الأسد، قضية إعادة بناء المؤسسة العسكرية في سوريا بناءً على عقيدة وطنية بعيدة عن الانتماء المناطقي أو الطائفي أو العرقي، على اعتبار أن الخطوة تعد حاسمة وأساسية لاستعادة الأمن وضبط السلاح المنفلت، في ظل وجود عشرات الفصائل المسلحة والتي ترتبط بجهات وإيديولوجيات معينة، وإعادة دمجها في الجيش ليست بالأمر السهل، في ظل وجود تجارب “فاشلة” في دول مجاورة كليبا والسودان واليمن وغيرها.
ومن أبرز الفصائل التي حضرت “مؤتمر النصر” مطلع آذار/ مارس الماضي، وأعلن اندماجها في وزارة الدفاع، فصائل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا والتي تضم فصائل متعددة كـ”العمشات” و”الحمزات” و”الجبهة الشامية”، إلى جانب فصائل “الجبهة الوطنية للتحرير” والتي تضم “فيلق الشام” و”أحرار الشام” و”جيش الأحرار” و”جيش العزة”، و”جيش سوريا الحرة” المدعوم من التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” والمنتشر في منطقة المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، حيث باشرت هذه الفصائل باستلام مواقعها العسكرية في مناطق متفرقة من سوريا بدءاً من شمال البلاد مروراً بالوسط وصولاً إلى العاصمة وريفها.
وبعض هذه الفصائل كـ”الحمزات” و”العمشات” متهم بارتكاب انتهاكات خلال عمله على مدى سنوات الثورة السورية لاسيما في الشمال السوري ومدرجة قادته على قوائم العقوبات الغربية، كما أنها تتهم إلى جانب فصائل أخرى “غير منضبطة” في التورط في الأحداث التي شهدتها مناطق الساحل السوري مطلع مارس الماضي، ما يجعل إعادة هيكلية هذه الفصائل بعد دمجها في الجيش الجديد وفق المعايير الدولية المعتمدة، ضرورة ملحة وتتطلب وضع خطط مدروسة واستراتيجية معينة للوصول إلى الجيش الاحترافي المطلوب.
اقرأ أيضاً: واشنطن تؤكد دعمها لدمج “قسد” في الجيش السوري وتحقيق الاستقرار عبر حكومة شاملة – 963+
الحالة الفصائلية محدودة
يؤكد الخبير العسكري السوري طارق حاج بكري المقيم في اللاذقية، أن “الحالة الفصائلية داخل الجيش السوري أصبحت محدودة جداً بعد إعلان تشكيل فرق وألوية وكتائب وسرايا على أساس الفصائل لكن يجري الآن تجهيزها وفق تشكيلات تراتبية وعلى أساس القواعد العسكرية المعروفة، وعليه فإن ذلك يمثل خطوة أولى في اتجاه تشكيل الجيش المنظم”، موضحاً أن “الفصائل قد اندمجت بشكل كامل وتم توزيع العناصر وفق التراتبية العسكرية المناسبة”.
لكنه يشدد خلال تصريحات لـ”963+”، على أن “إنهاء الحالة الفصائلية بشكل كامل يحتاج إلى بعض الوقت، وقد بدأ العمل على ذلك من خلال إعادة الضباط المنشقين إلى صفوف الجيش وإعادة تفعيل الكليات العسكرية البرية والبحرية والجوية وتجهيزها لتبدأ العمل عبر وجود ضباط مؤهلين وأكاديميين، وبالتالي الوصول إلى جيش وطني عقائدي مهمته حماية البلاد وعدم التدخل في الشؤون المدنية”.
تحالف هش!
ويقول المحامي السوري بسام العيسمي، المقيم في النمسا، إن “الجيش السوري يتكون من تحالف هش بين مجموعة من الفصائل العسكرية التي لا تحمل فكر الدولة، لذلك فإن اندماجها في وزارة الدفاع السورية هو اندماج صوري على الورق وليس حقيقي وفعلي، لأنها في بنيتها الإيديولوجية غير قادرة على بناء عقيدة وطنية لمؤسسة الجيش وبنائه وطنياً ليكون منسجماً وبروح واحدة”.
ويعتبر خلال تصريحات لـ”963+”، أنه “بناء على ذلك لم يكن صحيحاً إعلان وزارة الدفاع السورية عن اندماج جميع الفصائل في وزارة الدفاع، وأثبتت الأحداث على الأرض أن كل فصيل لا زال يتبع لقادته، وفي ظل غياب عقلية الدولة لصالح عقلية الفصيل يخشى من وقوع خلافات ونزاعات بين هذه الفصائل على المحاصصات”، مشيراً إلى أن “السلطة السورية تريد تكريس حكمها بمنطق الغلبة وبناء أنساق لحكم شمولي، وقدمت نفسها بممارسات تعمق الانقسام، ونتيجة ذلك هو مزيد من الشرخ في المجتمع السوري وتمزيد اللحمة المجتمعية”.
وتخشى بعض الفصائل من أن يؤدي الدمج إلى فقدانها نفوذها ومكتسباتها التي حققتها خلال السنوات الماضية، لاسيما وأن لغالبيتها تاريخاً من الصدامات مع بعضها بسبب الصراع على النفوذ، مما قد يجعل مسألة الثقة فيما بينها تحدّياً يحتاج تقديم ضمانات بعدم تجاوز مكتسباتها، وألا يكون نزع السلاح منها فرصة لتقوية فصيل على حساب آخر، في مقابل ذلك قد تكون موافقة بعض الفصائل على الانضمام إلى وزارة الدفاع مدفوعة برغبتها في تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية تضمن لها موقعاً مؤثراً داخل المؤسسة العسكرية مستقبلاً، الأمر الذي قد يُثير مخاوف من أن يتحوّل الاندماج إلى ساحة صراع داخلي على النفوذ، بدلاً من أن يكون خطوة نحو بناء مؤسسة عسكرية متماسكة تقوم على أسس وطنية، بحسب ما يرى محللون عسكريون.
ويلفت حاج بكري، إلى أن “استمرار الحالة الفصائلية داخل الجيش السوري يعني التشرذم والتفكك، وتصرف العناصر والضباط وفق المصلحة وتحقيق المكاسب، لذلك يجري العمل على تشكيل وطني حقيقي يكون الولاء فيه للوطن عبر الاستفادة من الخبرات العسكرية وإقامة الدورات التدريبية، خاصةً أن الموقف الإقليمي والدولي بدأ يعتبر أن سوريا دولة ذات سيادة على كامل أراضيها ولها جيش واحد وحكومة واحدة”.
ويرى العيسمي، أن “من مكّن السلطة السورية من الوصول إلى الحكم وإسقاط نظام بشار الأسد، يعرف أنها لا تبني دولة بثقافة الفصيل، وبالتالي إعادة إنتاج الفوضى المؤقتة وفق الشرق الأوسط الجديد، لذلك فهي تؤدي دور وظيفي في إطار ذلك المخطط”.
وإلى جانب الفصائل التي اندمجت في وزارة الدفاع السورية، والأخرى الصغيرة التي لا تزال خارج تشكيلات الوزارة، هناك قوات سوريا الديموقراطية (قسد) التي تسيطر على مساحات واسعة من شمال وشرق البلاد، ومدعومة من التحالف الدولي لمحاربة “داعش” والتي تصر على الاندماج ككتلة واحدة ضمن الجيش بعد التوصل لتفاهمات معينة مع الحكومة في دمشق، وذلك بعد التوصل لاتفاق يقضي بدمجها في الدولة السورية وقعه قائدها الجنرال مظلوم عبدي، مع الرئيس السوري أحمد الشرع في العاشر من آذار/ مارس، إضافةً لفصائل محلية في محافظة السويداء جنوبي البلاد.
وتنتشر في السويداء عدة فصائل محلية تأسست خلال سيطرة النظام المخلوع على المحافظة أبرزها حركة “رجال الكرامة” بقيادة يحيى الحجار، و “لواء الجبل” بقيادة شكيب عزام، و “أحرار جبل العرب” بقيادة سليمان عبد الباقي، الذي كان من بين الوفد الذي التقى رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع في دمشق بعد إسقاط النظام، إضافة إلى “المجلس العسكري بالسويداء” الذي تأسس بعد سقوط النظام بقيادة طارق الشوفي، وهو ضابط منشق عن النظام، إلى جانب بعض الفصائل الأصغر، مثل “قوات العليا” و “سرايا الجبل” و “شيخ الكرامة” الذي انشق عن حركة رجال الكرامة منذ عام 2018، وتقول تقارير إن هذه الفصائل تتبع مباشرة لزعيم طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، وتتلقى أوامرها منه بشكل مباشر.
وعليه، فإن عملية دمج الفصائل والمجالس العسكرية في الجيش السوري الجديد، تبقى مسألة شائكة وتحتاج إلى المزيد من العمل والجهد، تجعل من الحكومة ووزارة الدفاع فيها المسؤولة الأولى عن وضع الترتيبات الحقيقة اللازمة لذلك، وإنهاء أي ارتباطات مناطقية أو إيديولوجية أو طائفية أو عرقية للقوى المندمجة، وإعلاء المشروع الوطني المتكامل.










