ثلاثة أشهر من التحقيقات قادتها لجنة التحقيق الحكومية في أحداث الساحل السوري، انتهت إلى تقرير رسمي يوثق مقتل 1426 شخصاً في آذار/ مارس الماضي، بينهم 90 امرأة وعدد من العسكريين السابقين ممن أجروا تسويات مع الحكومة بعد سقوط النظام المخلوع في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، هذه الأرقام الصادمة ليست مجرد إحصاءات، بل نافذة تكشف حجم الانهيار الأمني والانقسام المجتمعي الذي ضرب البلاد في لحظة مفصلية.
وأشار التقرير أشار إلى وجود 298 شخصاً يشتبه بتورطهم في الانتهاكات، بينهم 265 من فلول النظام المخلوع، في حين بقيت مساحة الاتهامات الموجهة إلى عناصر الأمن الحكومي محدودة، رغم إفادات بعض الشهود عن سماع عبارات طائفية صادرة عن عناصر أمنية خلال الأحداث.
اقرأ أيضاً: منظمة العفو الدولية تدعو سوريا للتحقيق العاجل في اختطاف فتيات في الساحل – 963+
تباين يطرح تساؤلات
هذا التباين في نتائج التحقيق الذي كشفته اللجنة الحكومية يفتح الباب أمام تساؤلات حول عدالة التحقيق، وما إذا كانت الحكومة السورية قادرة على محاسبة كل من تورط فعلياً بغض النظر عن انتمائه ورتبته.
واعتمد عمل اللجنة على جولات ميدانية شملت 33 موقعاً بين قرى وبلدات الساحل، تم فيها توثيق مقابر وزيارة منازل متضررة ومناطق تعرضت للحرق أو التدمير، مع جمع 450 إفادة حول القتل و486 إفادة عن التهديد بالسلاح والتعذيب.
كما استمعت اللجنة إلى 938 شهادة من الأهالي و23 إفادة من مسؤولين رسميين، لكن معظم الشهود فضلوا حجب أسمائهم، ما يعكس مناخ الخوف وعدم الثقة السائد حتى بعد توقف المعارك، وفقاً لما أعلنته اللجنة في مؤتمر صحفي عقد في العاصمة السورية دمشق في الـ22 من تموز/ يوليو الماضي.
“خطأ” حل الجيش
يرى الباحث والمحلل السياسي حسان عليان المقيم في العاصمة اللبنانية بيروت، أن “المشهد الأمني الذي كشفه التقرير يشي بأن الحكومة كانت شبه غائبة عن الساحل خلال تلك الفترة، والتقرير نفسه يعترف بأن سيطرة الحكومة كانت جزئية أو منعدمة، وأن قدرات الجيش والأجهزة الأمنية لم تكن كافية لضبط الموقف أو حماية المدنيين، وأن هذه الفجوة الأمنية لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة مباشرة لقرار حل الجيش السابق كاملاً بعد سقوط النظام، وهو الخطأ الجسيم الذي يذكّر بتجربة العراق بعد 2003 وما تبعها من فوضى عارمة”.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن “غياب القرار المركزي لمنع التجاوزات الأمنية، سواء في عمليات الساحل أو في حوادث السويداء السابقة، يعكس أزمة أعمق في بنية السلطة الجديدة. فالحكومة حتى الآن لم تنجح في دمج الفصائل العسكرية المختلفة تحت مظلة وزارة الدفاع، ما يترك البلاد عرضة لفوضى السلاح وانفلات المجموعات المحلية من أي رقابة رسمية”.
ويؤكد الباحث والمحلل السياسي اللبناني أنه “إلى جانب الانهيار الأمني، يظهر التحريض الطائفي كعامل خطير في تأجيج العنف، التقرير وثق استخدام عبارات طائفية ضد الأهالي، بينما تستمر بعض الشخصيات المتشددة في تغذية هذا الخطاب، في تعارض مع نهج الرئيس السوري أحمد الشرع الذي حاول تقديم رؤية معتدلة بعد ديسمبر الماضي، وإن استمرار هذا التحريض من دون محاسبة يهدد بتكرار دوامة العنف في موجات لاحقة”.
اقرأ أيضاً: من الساحل إلى السويداء.. هل دمشق جادة في محاسبة الجناة وتحقيق العدالة؟ – 963+
أرقام غير دقيقة لكن “صادمة”
بينما يقول الدكتور عدي رمضان، وهو أكاديمي لدى مركز الدراسات والابحاث لأكاديمية البحر الأبيض المتوسط الإيطالية، إن الأرقام التي أعلنتها لجنة التحقيق صادمة بكل المقاييس، حتى وإن كانت لا تعكس الحجم الحقيقي للمأساة التي شهدها الساحل السوري، فالضحايا تجاوزوا الآلاف، بينهم نساء ومدنيون وعسكريون سابقون كانوا قد أجروا تسويات مع الحكومة بعد سقوط النظام المخلوع، ما يجعل مشهد العنف أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة بين طرفين متنازعين.
ويعتبر رمضان في حديث لـ”963+”، أن “تفسير هذا الحجم من العنف لا يمكن قراءته إلا في إطار عمليات لتصفية الحسابات، أكثر مما هو محاولة لتثبيت دعائم الأمن والاستقرار، فالمجازر التي وقعت حملت رسالة واضحة بأن منطق الانتقام قد تغلّب على منطق القانون، وأن حالة الانفلات الأمني فتحت الباب أمام جماعات مسلحة وفصائل متفرقة لتنفيذ أجنداتها بعيداً عن أي ضابط مركزي”.
ويردف قائلاً: “رغم توجيه اللجنة اتهامات مباشرة إلى فلول النظام السابق وتحميلهم جانباً من المسؤولية عن الأحداث، إلا أن هذه الاتهامات تبدو غير كافية لتبرير هذا الكم الهائل من الضحايا والخسائر. فالمأساة طالت المدنيين قبل المقاتلين، وامتدت إلى النساء والعسكريين السابقين الذين فضلوا خيار التسويات، ما يجعل من الصعب اعتبار ما جرى مجرد رد فعل على وجود عناصر معادية”.
ويضيف، أن “رواية اللجنة تقتصر في جزء كبير منها على اتهام أفراد محددين بارتكاب المجازر، لكن هذه الرواية تصطدم بالواقع الجغرافي الواسع للأحداث، فالمجازر وقعت على مساحة كبيرة من الساحل السوري، ما يعني أن تنفيذها تطلب تحركات واسعة وتنسيقاً ضمنياً أو استغلالاً للفوضى الأمنية، وهو ما يشير إلى أن حجم الانتهاكات لا يمكن اختزاله في أفعال أفراد معزولين فقط”.
وعليه فإن وصف اللجنة للأحداث بأنها “واسعة وغير منظمة” يثير إشكالية كبيرة، فكيف يمكن تفسير وقوع مجازر بهذا الحجم في منطقة واحدة، وعلى مساحة جغرافية كبيرة، من دون وجود جهة قادرة على التنسيق أو استغلال حالة الفوضى؟ هذا السؤال يقود إلى فرضيات عن دور أطراف خفية أو تراخٍ أمني سمح بتحول النزاع إلى تصفية حسابات جماعية.










