في ظل الاتصال الهاتفي الأخير الذي جرى أمس الاثنين، بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وجدد خلاله بوتين دعم بلاده لوحدة الأراضي السورية واحترام سيادتها، يُطرح سؤال محوري: إلى أي مدى ما تزال موسكو فاعلاً حقيقياً في الملف السوري بعد سقوط النظام السابق؟
وجاء في بيان صادر عن الكرملين أن الزعيمين بحثا سبل تعزيز التنسيق بين موسكو وتل أبيب، في إطار الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات الأمنية والإرهابية في المنطقة، مع التركيز على سوريا كمحور رئيسي للتفاهم بين الطرفين. كما شدد بوتين على أهمية احترام حقوق جميع الأقليات داخل سوريا، واعتبر ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار الداخلي وتعزيز الأمن الوطني.
اقرأ أيضاً: بوتين يؤكد لنتنياهو دعم روسيا لوحدة سوريا ويشدد على حماية الأقليات – 963+
روسيا والبعد السياسي في سوريا
غير أن هذا الموقف الروسي الرسمي لم يُترجم بعد إلى دعم ميداني ملموس، وفق ما يؤكده الخبير في العلاقات الدولية والسياسة الروسية محمود الأفندي، الذي أشار إلى أن “روسيا خفّضت بشكل كبير من حضورها السياسي والأمني في سوريا منذ سقوط النظام السابق”.
ويلفت الأفندي في تصريحات لـ”963+” إلى أن العلاقة بين موسكو والحكومة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، ما تزال في إطار “مرحلة انتقالية”، تقتصر على اتصالات ديبلوماسية ومحادثات محدودة حول مستقبل القواعد العسكرية الروسية في البلاد.
ويوضح الأفندي أن “روسيا تركز حالياً على البعد السياسي في الملف السوري”، مستشهداً بمواقف موسكو في مجلس الأمن، ولا سيما في ما يتعلق بالتنديد بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
ويقول الخبير في السياسة الروسية إن “الرئيس الشرع نفسه عبّر عن شكره لروسيا في خطابه الأخير، مشيداً بمواقفها السياسية، رغم تراجع دعمها المباشر”.
أما من الناحية الميدانية، فقد أكد الأفندي أن “الوجود الروسي بات محصوراً في مواقع مثل قاعدة حميميم وميناء طرطوس، مع رفض موسكو لطلبات محلية بالتدخل العسكري، خصوصاً في شمال سوريا”، ما يعكس، برأيه، “قراراً روسياً بالابتعاد عن أي انخراط مباشر في الملفات الأمنية”.
ويرى الأفندي أن هذا التراجع الروسي “يعكس تغيراً استراتيجياً في مقاربة موسكو للمنطقة، حيث باتت تنظر إلى الملف السوري من زاوية أوسع ترتبط بمشروعها لإعادة تشكيل النظام الدولي”.
ويعتبر أن “الصراعات الإقليمية، بما فيها الحرب في أوكرانيا، ناجمة عن استمرار النظام الأحادي القطبية الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي تحاول موسكو تجاوزه ببناء نظام دولي متعدد الأقطاب”.
وفيما يخص العلاقات الروسية – الإسرائيلية، يقول الأفندي إن “التفاهمات الهاتفية المتكررة بين بوتين ونتنياهو لم تؤدِّ إلى الحدّ من المشروع الإسرائيلي الرامي إلى تفكيك الدولة السورية”، محذراً من أن “إسرائيل تسعى إلى ضرب وحدة سوريا من الداخل، عبر إذكاء الانقسامات الداخلية، مستغلة حالة الفراغ التي أعقبت سقوط النظام”.
اقرأ أيضاً: “أكسيوس”: قلق أميركي من سياسات نتنياهو الإقليمية رغم وقف إطلاق النار في سوريا – 963+
روسيا.. “منسق غير معلن”
من جهته، يقدّم المحلل السياسي حسن نيفي قراءة أكثر نقداً للدور الروسي، مشيراً إلى أن موسكو لعبت لسنوات دور “المنسق غير المعلن” بين إسرائيل وسوريا، مستفيدة من سيطرتها على الأجواء السورية، ومعرفتها المسبقة بتحركات الطيران الإسرائيلي.
لكنه يؤكد في تصريحات لـ”963+” أن “موسكو لم تعد قادرة على أداء هذا الدور بعد تحولات كبيرة أعقبت أحداث 7 أكتوبر، وسقوط النظام السابق، وتراجع النفوذ الإيراني في سوريا”.
وبحسب نيفي، فإن سعي روسيا للحفاظ على حد أدنى من النفوذ في المنطقة “هو ما يفسر تكثيف محادثاتها مع إسرائيل، رغم إدراكها أن تل أبيب لا تستجيب فعلياً لضغوط دولية”.
ويضيف أن روسيا “لم تعد تملك أدوات كبح الضربات الإسرائيلية”، وتحرص في المقابل على إبقاء إسرائيل في موقع “محايد نسبياً” تجاه الحرب في أوكرانيا.
وتطرق نيفي إلى موقف موسكو من الحكومة السورية الجديدة، مؤكداً أن “هناك تواصلاً حذراً، خاصة بعد مطالبة الرئيس أحمد الشرع روسيا بتسليم بشار الأسد ومساعديه، المقيمين حالياً على أراضيها، وهو طلب لم تؤكده موسكو علناً، ما يعكس تحفظها على الخوض في الملفات الشائكة علناً”.
وفي ما يخص الداخل السوري، يشير نيفي إلى أن “القوى المناهضة للحكومة الجديدة تسعى للحصول على دعم خارجي، بينما تلتزم روسيا الصمت، في حين تبدي إيران دعماً لبعض الضباط السابقين”.
ويشدد على أن “جميع القوى الدولية، بما فيها إسرائيل، تتعامل مع الجماعات المحلية كأدوات تخدم مصالحها، وليس انطلاقاً من حرص على سلامة هذه المكونات”.
وفي ختام تصريحاته، يؤكد الأفندي على أن الحكومة الجديدة “تواجه تحديات كبيرة في ظل تآكل الثقة مع موسكو، وتزايد العدوان الإسرائيلي، وغياب موقف دولي فاعل”.
ويعتبر أن إعادة التوازن في سوريا والمنطقة “لن يكون ممكناً من دون إعادة النظر في بنية النظام الدولي وقواعد القانون الدولي، التي أثبتت عجزها أمام الانتهاكات المستمرة”.
ووفق الخبراء، يبدو أن موسكو، رغم تأكيدها الرسمي على دعم سيادة سوريا، اختارت في هذه المرحلة أن تتعامل مع الملف السوري بمنهجية حذرة، ترقب تطورات الداخل السوري وتحوّلات الإقليم، دون الدخول في التزامات ميدانية أو تحالفات حاسمة، بانتظار ما ستؤول إليه خارطة التوازنات الدولية المقبلة.










