تشكل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) الجهاز التنفيذي لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، التي دخلت حيز التنفيذ عام 1997 بهدف القضاء على هذه الفئة من أسلحة الدمار الشامل. وقد انضمت سوريا إلى المعاهدة في أكتوبر 2013، على أثر استخدام قوات النظام السوري للسلاح الكيميائي في غوطة دمشق، مما أدى إلى إصدار مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2118، وتشكيل المهمة المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لإزالة الأسلحة المعلنة وتدميرها خارج سوريا.
وبحسب تقارير المنظمة، تم إزالة وتدمير جميع الكيماويات المعلنة رسميًّا من قبل سوريا، إلا أن تساؤلات عدة ظلت مطروحة بشأن اكتمال دقة تلك التصريحات. إذ ينص اتفاق الحظر على التزامات صارمة للدول الأعضاء، تتضمن حظر تطوير أو امتلاك أي أسلحة كيميائية، مع تقديم بيانات كاملة ودقيقة عن منشآتها ومستودعاتها الكيميائية.
اقرأ أيضاً: الشيباني يشارك باجتماع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي – 963+
تطور موقف سوريا داخل المنظمة بعد النزاع
بعد اندلاع الحرب السورية عام 2011، شهدت علاقة دمشق بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية تعقيدات متصاعدة. فرغم التعاون الأولي في عملية الإزالة عام 2013–2014، فإن التحقيقات اللاحقة (من خلال فريق تقصي الحقائق FFM وفريق التحقيق والتعيين IIT) وثقت حالات عديدة لاستخدام النظام السابق للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين. وأشارت الأمانة التقنية إلى أن التصريحات السورية الأولية لم تُستكمل بدقة، وبقيت نحو 19 قضية كيميائية معلقة دون حل.
في ضوء هذه المعطيات، اتخذت الدول الأعضاء في المؤتمر العام للمعاهدة قراراً في أبريل 2021 بتعليق بعض حقوق سوريا وامتيازاتها ضمن أجهزة المنظمة، مثل حق التصويت والترشح للمناصب، استجابة لعدم الامتثال والشكوك المتراكمة حول التعاون السوري.
مع ذلك، أتاح التحول السياسي الذي شهدته سوريا فرصة لإعادة تأسيس العلاقة مع المنظمة. إذ رحب مدير عام المنظمة بتعاون “السلطات السورية الجديدة”، واعتبر الوضع السياسي فرصة تاريخية لإغلاق ملف الأسلحة الكيميائية بالكامل. وبدأت وزارة الخارجية المؤقتة السورية تنسيق زيارة فريق خبراء إلى دمشق، متعهدة بـ”إغلاق هذا الملف نهائياً” عبر التعاون التام.
في هذا السياق، أكد رشيد محمود حوراني، باحث في مركز جسور للدراسات، في تصريحات للعدد التاسع من صحيفة “963+” أن “السلطات السورية الجديدة قطعت شوطاً كبيراً في التعامل مع أحد الشروط الأميركية المرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيماوية الذي كان ينفذه نظام الأسد البائد”، موضحاً أن “الحكومة الانتقالية تمكنت من الإمساك بالخيوط الرئيسية لهذا البرنامج، وهو ما أقرّت به منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في تقريرها الأخير عقب زيارتها إلى دمشق، حيث أعلنت اطلاعها على أماكن جديدة مرتبطة بالبرنامج”.
وأضاف حوراني أن “الخيوط الجديدة التي أمسكت بها السلطات تتعلق بتحديد الأشخاص الضالعين في البرنامج، إلى جانب مواقع التصنيع والتخزين”، مشيراً إلى أن “النظام السابق كان يستغل مختبرات تابعة لوزارتي الصحة والزراعة، بحكم امتلاكهما منشآت لصناعة الأدوية، لاستخدامها في تطوير المواد الكيماوية”. وأوضح أن “هذه المعلومات تمكّن المنظمة من مراقبة كافة المنشآت الكيميائية، بما فيها مصانع الأدوية والمنظفات، لضمان عدم استخدامها لأغراض عسكرية”.
اقرأ أيضاً: المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية يصف زيارته لسوريا بـ “المثمرة” – 963+
أسباب اختيار قطر
تمثلت الخطوة المركزية في أن الحكومة الانتقالية السورية، عبر وزير خارجيتها المؤقت أسعد الشيباني، طلبت رسميّاً من الحكومة القطرية أن تتولى “تمثيل مصالح الجمهورية العربية السورية أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”. وقد جاءت هذه الخطوة كبادرة أولى نحو تطبيع العلاقة مع المنظمة، إلى حين تعيين ممثل دائم لسوريا.
سارعت قطر إلى قبول هذا الطلب، إذ وافق رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على أن يعمل سفير قطر في لاهاي قنصلاً أولاً وقناة اتصال ديبلوماسية مع المنظمة نيابة عن دمشق. وجرى إعلام الدول الأعضاء والأمانة التقنية بهذا الترتيب رسميًّا، بعد التشاور مع المدير العام للمنظمة.
وفي هذا السياق، لفت حوراني إلى أن “قطر، بحكم دورها الديبلوماسي الفاعل في حل النزاعات بالمنطقة، يعوّل عليها كثيرًا في إزالة العراقيل المتعلقة بهذا الملف الحساس”، مؤكداً على أهمية الدعم القطري لسوريا في هذه المرحلة الدقيقة من عملية الانتقال السياسي والديبلوماسي.
الأسباب الكامنة وراء اختيار قطر تتداخل بين دافع سياسي ودبلوماسي وإجرائي؛ فقطر ترتبط بعلاقات إيجابية مع السلطات الانتقالية السورية، وكانت داعماً تقليدياً للمعارضة، كما أن المجتمع الدولي رحب بدورها كـ”قناة تنشيطية للتواصل”، وهو ما أكدته أيضاً دول مثل تركيا.
اقرأ أيضاً: مدير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في دمشق للقاء الشرع – 963+
خلفيات تاريخية
منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، اتخذت قطر موقفاً معارضاً لنظام بشار الأسد. فقد كانت الدوحة من أوائل العواصم العربية الداعمة للثوار سياسيًا وماليًا، وعملت على تعزيز الجهود الدولية لإحداث انتقال سياسي في سوريا. وقد أكدت مراراً أن إعادة سوريا إلى الجامعة العربية والمنظمات الدولية مرهون بإنجاز تسوية عادلة واختيار شعبي حر.
وفي سبتمبر 2023، صرح المتحدث الرسمي باسم الخارجية القطرية بأن “الاتصالات مع سوريا كانت مقطوعة بسبب النظام السابق”، مضيفًا أن “قطر ستنخرط بإيجابية مع المرحلة الجديدة القائمة على السلطة الانتقالية”. كما شاركت قطر بفعالية في مؤتمرات الرباعية العربية ومسار أستانا، داعية إلى حل سياسي شامل.
ويمثل تولي قطر مهمة تمثيل سوريا في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تطورًا دبلوماسيًا مهمًا، وسط مراقبة حثيثة من المجتمع الدولي. فقد وصف المدير العام للمنظمة الوضع الجديد بأنه “فرصة تاريخية” لإنهاء ملف الأسلحة الكيميائية السوري، مع توقع تسريع التعاون من خلال قنوات دبلوماسية نشطة وتمكين زيارات التفتيش والتحقق.
وإذا ما نجحت دمشق الجديدة في الوفاء بالتزاماتها – عبر توضيح الأسئلة العالقة وكشف كامل الترسانة الكيميائية – فقد تُستعاد حقوق سوريا في المنظمة، بما في ذلك حق التصويت والترشح، ما يمهد تدريجيًا لرفع بعض القيود والعقوبات الدولية.
على الصعيد السياسي، سيعزز هذا الإنجاز مكانة الحكومة الانتقالية ويقوض من شرعية النظام السابق، كما قد يفتح الباب تدريجيًا أمام بدء مسار إعادة الإعمار الداخلي. ومع ذلك، فإن تحرك قطر بهذا الاتجاه قد يثير اعتراضات من بعض القوى الإقليمية المرتبطة بالنظام السابق، مثل روسيا وإيران، مما يزيد من تعقيد الحسابات الدبلوماسية.
في النهاية، سيكون نجاح التعاون السوري القطري في هذا الملف اختباراً حقيقياً لمدى التزام العهد الجديد في دمشق بالمعايير الدولية، وخطوة حاسمة لضمان عدم تكرار مأساة استخدام الأسلحة الكيميائية مستقبلاً.
نشرت هذه المادة في العدد التاسع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 2 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد التاسع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










