يأتي الاتفاق الكردي – الكردي في لحظة مفصلية تمرّ بها سوريا، وسط تحولات داخلية متسارعة وتحديات جيوسياسية إقليمية عميقة، بوصفه محاولة جدّية لإعادة لملمة الصف الكردي المبعثر، وتثبيت حضور الكرد كفاعل سياسي وازن في مستقبل البلاد.
ورغم ما يحمله هذا الاتفاق من أمل ورمزية، إلا أنه يطرح في الآن ذاته جملة من الأسئلة المعقّدة، تتعلّق بمدى قدرته على الصمود وسط التجاذبات الإقليمية والدولية، وموقع الكرد المحتمل في ترتيبات الحل السياسي النهائي في سوريا، وحدود التوافق الممكن مع النظام الجديد في دمشق.
في هذا الحوار الخاص مع موقع “963+”، يتحدث محمد إسماعيل، رئيس المجلس الوطني الكردي، عن أهمية الاتفاق وأبعاده، وأولويات المجلس في المرحلة المقبلة، وشروط أي تفاهم مع السلطة السورية، إضافة إلى السيناريوهات المطروحة أمام الكرد في حال تعثّر الحوار. ويشدّد إسماعيل على أن “الاتفاق يعكس محاولة كردية للتماسك في وجه العاصفة الإقليمية القادمة”.
كما أشار إلى أن “من المبكر القول بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى السلطة الجديدة للاعتراف الكامل بالحقوق الكردية أو تبنّي اللامركزية بجدية”، مؤكدًا أن التصريحات العامة التي تصدر عن “الاعتراف بحقوق الجميع” لا تزال حتى الآن مجرّد وعود غير مترجمة إلى خطوات عملية واضحة.
اقرأ أيضاً: الرئاسة السورية تصدر بياناً حول مستجدات الاتفاق مع “قسد” – 963+
كيف تقيّمون الاتفاق الكردي-الكردي في ضوء التحولات الراهنة في المشهد السوري؟ وهل يمكن فهمه في سياق التغيّرات الإقليمية المتسارعة؟
الاتفاق الكردي – الكردي يُعد خطوة متقدمة ومهمة في مسار إعادة ترتيب البيت الكردي الداخلي، خصوصًا بين قوى سياسية طالما طغى التنافس والصراع الأيديولوجي على العلاقة بينها، مثل “المجلس الوطني الكردي” و”حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)”. وعلى الرغم من التجارب السابقة التي لم تثمر دائمًا عن نتائج مستدامة، إلا أن اللحظة الحالية تحمل خصوصية تجعل من هذا الاتفاق ضرورة سياسية وقومية في آن معًا.
نحن في المجلس الوطني الكردي نؤمن بأن هذا الاتفاق ليس مجرّد تكتيك مرحلي، بل استحقاق قومي يُملي علينا توحيد الموقف والرؤية في هذه المرحلة الحاسمة. فالتحولات التي أعقبت سقوط النظام السابق، وتغيّر موازين القوى في الداخل السوري، وتزايد الحديث عن ترتيبات إقليمية جديدة، تجعل من وحدة الموقف الكردي أمرًا ملحًا لضمان عدم تهميشنا أو استبعادنا من أي تسوية مستقبلية.
الاتفاق يعكس، برأينا، محاولة جادّة للتماسك في مواجهة احتمالات الضغط أو التهميش، ويأتي كاستجابة واعية لمتغيرات اللحظة الإقليمية، حيث تتسارع التفاهمات الدولية وتُرسم خرائط النفوذ مجددًا، ما يتطلب موقفًا كرديًا موحدًا يعبّر عن تطلعات شعبنا في إطار التفاهم مع بقية المكونات السورية.
ما أبرز أولويات المجلس الكردي في حال انطلاق حوار جدي مع السلطة في دمشق؟
لدينا حزمة من الأولويات السياسية والحقوقية التي نعتبرها غير قابلة للتنازل، وتشكل أساس أي تفاوض مستقبلي، وأبرزها:
- الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي: نطالب بإدراج حقوق الشعب الكردي في الدستور السوري الجديد، بوصفه أحد المكونات القومية الرئيسية في البلاد، وضمان المساواة في الحقوق والواجبات وفقًا للعهود والمواثيق الدولية.
- اعتماد نظام اللامركزية السياسية والإدارية: نرى في اللامركزية إطارًا مناسبًا لتحقيق التوازن بين وحدة الدولة وخصوصيات مكوناتها. نطالب بنموذج لامركزي يضمن المشاركة الفعلية للكرد في إدارة مناطقهم وصياغة السياسات المحلية.
- عودة المُهجّرين إلى مناطقهم الأصلية: خاصة في عفرين ورأس العين وتل أبيض، حيث يعاني الآلاف من التهجير القسري، ونطالب بضمان عودتهم الآمنة، ووقف محاولات التغيير الديمغرافي.
- ضمانات دولية لأي اتفاق: نعتبر أن أي تفاهم مع السلطة يجب أن يكون مصحوبًا بضمانات دولية قوية، تمنع التراجع عن بنوده وتضمن التزام جميع الأطراف بتطبيقه.
اقرأ أيضاً: الحكومة السورية الانتقالية و”قسد” ملتزمتان بالاتفاق الموقع – 963+
هل هناك مؤشرات على وجود إرادة لدى السلطة الجديدة للاعتراف بالحقوق الكردية وتبنّي اللامركزية؟ وما هو تصوركم لمستقبل اللامركزية في سوريا؟
حتى اللحظة، لا يمكننا الحديث عن إرادة سياسية واضحة لدى السلطة الجديدة تجاه الاعتراف الفعلي بالحقوق الكردية أو اللامركزية. التصريحات التي تصدر عن بعض الجهات الرسمية تتحدث بعبارات فضفاضة عن “حقوق الجميع”، لكنها تفتقر إلى خطة تنفيذية أو التزامات قانونية واضحة.
من جهتنا، نطرح تصورًا متكاملًا لمستقبل اللامركزية في سوريا، يقوم على:
- تبنّي نظام ديمقراطي لا مركزي يوزع السلطات بين المركز والمناطق، ويضمن التمثيل السياسي العادل لمختلف المكونات.
- الاعتراف بالشعب الكردي كقومية أصيلة في سوريا، وضمان حقوقه في التعليم، والثقافة، واللغة، والإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.
- ضمان الشراكة السياسية الحقيقية في رسم مستقبل البلاد، خاصة فيما يخص صياغة الدستور الجديد، وبناء مؤسسات الدولة.
ما نوع الضمانات التي تطالبون بها في حال التوصل إلى اتفاق مع السلطة؟
رغم أننا نعتبر أن الحديث عن الضمانات سابق لأوانه قبل تشكيل وفد تفاوضي واضح، إلا أن رؤيتنا للضمانات تشمل ثلاثة أبعاد:
- الثقة المتبادلة: وهي أساس أي اتفاق ناجح. هذه الثقة تُبنى من خلال التزام الأطراف بالتطبيق، والإقرار بحقوق الآخر.
- الضمانات القانونية والدستورية: يجب أن تكون أي اتفاقات مدعومة بنصوص دستورية واضحة قابلة للتنفيذ.
- الضمانات الدولية: نؤمن بضرورة وجود جهة دولية راعية أو ضامنة لأي اتفاق، سواء عبر الأمم المتحدة أو الدول المؤثرة في الملف السوري.
اقرأ أيضاً: الحوار الكردي يقترب من الحسم: رؤية موحدة ووفد مشترك على أبواب دمشق – 963+
في حال تعثّر الحوار مع دمشق، ما هي البدائل التي يطرحها المجلس الكردي؟
نحن كأحزاب كردية، وخصوصًا داخل المجلس الوطني الكردي، نمتلك تجربة طويلة في العمل السياسي والنضال السلمي. المجلس تأسس ليكون مظلة للعمل الكردي المشترك، وحاملًا للمشروع القومي الكردي في سوريا، ويملك شبكة من العلاقات المتينة إقليميًا ودوليًا.
في حال فشل الحوار مع دمشق، سنبقى متمسكين بالعمل السياسي السلمي، وسنلجأ إلى توسيع حواراتنا مع القوى السورية الأخرى، وتعزيز حضورنا في المحافل الدولية، وممارسة الضغط الدبلوماسي لحماية حقوق شعبنا.
ما مدى تعويلكم على الدعم الدولي في هذه المرحلة الحساسة؟
لا يمكن تحقيق تسوية شاملة ومستقرة في سوريا من دون دعم جاد وفعّال من المجتمع الدولي. نحتاج إلى أكثر من بيانات دعم أو مواقف إعلامية، نحتاج إلى إجراءات ملموسة تُرغم جميع الأطراف على الالتزام بقرارات الشرعية الدولية.
نتوقّع أن تلعب القوى الدولية، خاصة تلك المنخرطة في الملف السوري، دورًا ضامنًا لتسوية سياسية عادلة، تأخذ بعين الاعتبار تطلعات كافة المكونات، وعلى رأسها الشعب الكردي، الذي لطالما عانى من التهميش والإنكار.










