في الأول من نيسان/أبريل الجاري، شهدت مدينة حلب تطوراً سياسياً وميدانياً، تمثل في التفاهم الذي أُبرم بين الحكومة السورية وإدارة قوات سوريا الديموقراطية (قسد) بشأن حيي الشيخ مقصود والأشرفية، شمال المدينة. هذا الاتفاق، الذي يربطه البعض بتفاهم سابق وُقّع بين قائد “قسد” مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، يعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين الأطراف الفاعلة، ويعيد طرح التساؤل حول طبيعة النسيج السياسي الذي تعمل الدولة على صياغته في هذه المرحلة من الصراع السوري.
الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين المجلس المدني للحيين ولجنة من رئاسة الجمهورية، تضمن حزمة من البنود التي تهدف إلى تعزيز الاستقرار والسلم الأهلي. فبحسب نص الاتفاق، سيظل الحيان تابعين إدارياً لمدينة حلب، مع احترام الخصوصية الثقافية والاجتماعية لسكانهما. كما أن وزارة الداخلية، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، ستتولى حماية السكان، على أن تُمنع أي مظاهر مسلحة خارج هذا الإطار.
من أبرز ما نص عليه الاتفاق أيضاً، إزالة السواتر الترابية من الطرق العامة، والإبقاء على بعض الحواجز تحت إشراف الأمن الداخلي، إلى جانب انسحاب القوات العسكرية إلى شرق الفرات، وتأسيس مركزين للأمن الداخلي لضبط الأوضاع الأمنية. كما أُقرّ ضمان حرية التنقل لسكان الحيين، وعدم ملاحقة أي شخص لم يثبت تورطه في أعمال عنف.
الاتفاق شمل كذلك تنسيق عمل المؤسسات الخدمية والتعليمية مع الجهات الرسمية، وضمان تمثيل الحيين في مجلس المحافظة وغرف التجارة والصناعة، وتبادل الأسرى، وتبييض السجون، وهو ما اعتبره مراقبون خطوة في مسار تطبيع العلاقة بين الإدارة الذاتية والحكومة المركزية، وإنْ بشكل تدريجي.
اقرأ أيضاً: دفعة ثانية من مقاتلي “قسد” تغادر حيي الأشرفية والشيخ مقصود بحلب – 963+
رؤية كردية لسوريا
يرى نواف خليل، مدير المركز الكردي للدراسات، أن ما جرى في حلب يمثل تطوراً طبيعياً لتفاهم عبدي-الشرع، ويؤسس لمزيد من الاتفاقات التي قد تُسهم في إعادة المهجّرين إلى مناطقهم، لا سيما في عفرين. إلا أن خليل يحذر من استعجال تعميم النموذج، مشيراً إلى أن عفرين لا تزال تحت سيطرة فصائل مدعومة من تركيا، ما يجعل تكرار تجربة حلب أكثر تعقيداً.
ويشير خليل إلى أن الطرح الكردي في هذه المرحلة يتراوح بين رؤيتين: الأولى تدعو إلى دولة لا مركزية ديمقراطية تشمل جميع السوريين، والثانية تركز على توافق جديد يعكس خصوصية الحالة السورية ومكوّناتها المتعددة. وفي كلتا الحالتين، فإن اللامركزية تُطرح بوصفها مطلبًا وطنيًا عامًا، لا يقتصر على الأكراد فقط، بل يعكس طموحات جميع المكونات في مشاركة فعلية بالسلطة.
بدوره، يعتبر الدكتور زيدون الزعبي، الباحث في قضايا الحوكمة، أن هذا الاتفاق يُعبر عن لحظة تفاوضية ناضجة، جاءت ضمن سياق تغيرات ميدانية إقليمية ودولية، ما جعله يحظى بدعم غير معلن من عدة أطراف، بينها واشنطن وأنقرة. ويرى الزعبي أن الاتفاق يكرس منطق الحوكمة المحلية، وربما يشير إلى بداية تحويل بعض عناصر “قسد” إلى شرطة محلية، ضمن رؤية للحكم المحلي المتوافق عليه.
اقرأ أيضاً: هيفين سليمان لـ “963+”: اتفاق حلب خطوة أولى في تنفيذ اتفاق “قسد” – دمشق – 963+
تسويات مؤقتة أم دائمة؟
رغم الأجواء الإيجابية التي أحاطت باتفاق حلب، إلا أن هناك من يتعامل معه بحذر. المحامي والناشط السوري أكرم شمو، يرى أن الاتفاق جاء في لحظة سياسية حساسة، تميزت بجمود في المسار السياسي العام، ونمو في التفاهمات الميدانية بين الأطراف. ويؤكد شمو أن الظروف في عفرين مثلًا، تختلف تمامًا عن حلب، ما يُصعّب تكرار هذا النموذج في مناطق أخرى.
ويشدد شمو على أن دخول قوات أمنية تابعة للحكومة في الشيخ مقصود والأشرفية ساعد في تهدئة الأوضاع، لكنه لا يعوّض عن الحاجة إلى حل سياسي شامل. اللامركزية، من وجهة نظره، ليست خيارًا مرحليًا بل استراتيجية طويلة الأمد في المناطق الكردية، تعبّر عن طموحات مجتمعية في إدارة ذاتية ديمقراطية فعالة.
ويضيف أن الفيدرالية هي الصيغة الأنسب لسوريا، بحكم التعدد الديني والإثني، وهي الضامن الأهم لحماية حقوق المكونات وضمان مشاركتها في القرار السياسي والاقتصادي. كما يرى أن التفاهمات الجزئية، مهما كانت ناجحة، لا يمكن أن تغني عن مسار سياسي وطني شامل يضمن لجميع السوريين حقوقهم في إطار لا مركزي موحّد.
اقرأ أيضاً: إلهام أحمد: الاتفاق بين الإدارة الانتقالية و“قسد” بحاجة إلى تفاهمات أوسع – 963+
دعم مشروط من الخارج
على الصعيد الدولي، تبدو ملامح موقف المجتمع الدولي أكثر وضوحًا، إذ بات ينظر إلى الاستقرار الأمني، مقرونًا باحترام الحقوق السياسية، كمدخل حيوي لرفع العقوبات المفروضة على سوريا. وترى العديد من العواصم أن فتح باب الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار لا يمكن أن يتم إلا بتوفر بيئة سياسية جامعة تشمل كافة المكونات السورية.
لكن الانتقادات لا تزال تُوجه إلى السلطة في دمشق، خاصةً فيما يتعلق بالتهميش المستمر لحقوق الجماعات غير المركزية، كما تجلّى في الإعلان الدستوري والمؤتمر الوطني الأخير، اللذَين لم يعكسا تنوع البلاد بالشكل المطلوب. من هنا، يمكن فهم تفاهمات حلب باعتبارها استجابة مرنة لتغيرات الداخل السوري، أكثر منها رؤية نهائية للمستقبل.
ومع أن تلك التفاهمات لا تُغني عن مسار تفاوضي شامل، إلا أنها قد تُشكّل نقاط ارتكاز ضرورية لتثبيت أرضية مشتركة، تسمح بإعادة تشكيل العقد الاجتماعي في سوريا، بناءً على مفهوم الشراكة لا الإقصاء.










