يستحضر تفجير كنيسة مار إلياس الرعب والخوف في نفوس السوريين، مع انتقال خطر تنظيم “داعش” إلى المناطق المأهولة بالسكان وتحركهم في المناطق الرخوة أمنياً وتنفيذ هجمات تهدد السلم الأهلي في البلاد والاستقرار، وتشكل تحدياً أمام الحكومة السورية حديثة العهد.
في كنيسة مار إلياس ارتقى أكثر من 20 مدنياً، أثناء مهاجمة مسلح قالت وزارة الداخلية إنه يتبع لتنظيم “داعش”، لمصلين يتجمعون في قدّاس الأحد، وأُصيب نحو 50 آخرين، ورغم عدم تبني التنظيم للهجوم، إلا أن الاستخبارات السورية قالت إنها ألقت القبض على الخلية التي نفذت الهجوم ومنعت تنفيذ آخر في منطقة السيدة زينب وصادرت أسلحة وعبوات ناسفة.
ويفتح التفجير التساؤلات حول كيفية انتشار عناصر التنظيم وانتقالهم من البادية السورية إلى مناطق سيطرة الحكومة، وسط تحذيرات دولية ومحلية من تنامي خطر “داعش”، فيما أشارت تقارير إلى أنه يحاول تنظيم صفوفه مجدداً، لكن الملاحظ أن التنظيم اختلف في خطابه وطريقة إدارته لعناصره وتنفيذه للهجمات.
عن تطور أساليب التنظيم في سوريا على الصعيد التكتيكي، حيث اعتمد في هجماته الأخيرة على عبوات ناسفة محسنة (IEDs) يتم تصنيعها محلياً بمكونات يتم تهريبها عبر الحدود، كما لجأ في العمليات إلى أسلوب “الهجمات الصامتة” باستخدام الأسلحة البيضاء ضد أفراد الأمن.
ويشير إلى أن الهيكل القيادي لـ”داعش” شهد تحولاً جذرياً من الناحية التنظيمية بعد مقتل قياداته التاريخية، حيث يعتمد الآن على “مجالس شورية” كانت منتشرة في البادية السورية والمناطق الريفية المحاذية للعراق قبل سقوط الأسد، مع تفويض واسع الصلاحيات للقادة الميدانيين.
وتشير إلى وجود ما بين 5000-8000 عنصر نشط للتنظيم بين سوريا والعراق، كان يتمركز قسم كبير منهم في المناطق الصحراوية ذات الموقع الاستراتيجي بين البوكمال والحدود العراقية، ويرجح انتقال هؤلاء إلى مناطق سيطرة الحكومة السورية الانتقالية بعد سقوط نظام الأسد.
اقرأ أيضاً: وزارة الداخلية: تفكيك خلية مرتبطة بـ”داعش” نفذت هجوم مار إلياس
وتشير تقارير سابقة إلى استخدام تركيا وإيران للتنظيم كورقة ضغط في مناطق نفوذهما، حيث سمحت الأولى بتحركات محدودة له في إدلب بينما تستخدمه الثانية لاستنزاف القوات الأميركية في شمال شرقي سوريا.
وتواجه عمليات مكافحة “داعش” تحديات جسيمة بسبب تعدد الجهات الفاعلة في سوريا، ولا تبدو العمليات المضادة للتنظيم تتم بتبادل استخباراتي بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والقوات السورية الحكومية والقوات التركية، مما يسمح لعناصره بالتحرك عبر “مناطق رمادية” تمتد على مساحة شاسعة في شرق ووسط وشمال شرقي سوريا.
وبحسب مراكز دراسات فقد طور “داعش” شبكات معقدة للتحويلات النقدية عبر العملات المشفرة وشركات الظل لا سيما في تركيا، مع اعتماد متزايد على “الاقتصاد الرمادي” عبر استغلال المنافذ الحدودية غير الرسمية.
استراتيجيات متغيرة
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن عمليات “داعش” في سوريا شهدت تحولاً نوعياً خلال العامين الماضيين، حيث سُجلت زيادة بهجماته مع تركيز على المناطق الحدودية بين محافظتي دير الزور والحسكة حيث تتضاءل السيطرة الأمنية.
يقول أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، لـ”963+”، إن تنظيم “داعش” يلجأ لاستراتيجية غير مباشرة لإعادة تنظيم بناء قدراته في سوريا، لأنه فقد الكثير منها خلال الفترة الماضية، وعجز عن تعويضها بسبب عمليات الملاحقة الأمنية والاستخباراتية التي استهدفته والخسائر التي مُني بها.
اقرأ أيضاً: الفراغ يُوقظ “داعش”.. ما المطلوب من الشرع وحكمه
ويوضح سلطان أن هذه الاستراتيجية تعتمد على “التخفي والتشتت الجغرافي، حيث يعمل التنظيم على تجنيد عناصر جديدة من الشباب المحلي في المناطق النائية، مستغلاً الظروف الاقتصادية الصعبة وانعدام الفرص، كما يعتمد على شبكات التمويل الذاتي عبر أنشطة غير مشروعة مثل تهريب الآثار والابتزاز، مما يجعله أقل اعتماداً على التمويل الخارجي مقارنةً بالسابق”.
ويضيف أن “التنظيم يُدار بشكل مركزي ولا مركزي، مع إيلاء أهمية أكبر للامركزية، إذ تحورت بنيته التقليدية، ولم يعد هناك مرجعية تتمثل بالخليفة وبات منصب الخليفة مجرد اسم، ومن المفترض أن يقود التنظيم لجنة مفوضة، لكن تواجه هذه اللجنة جملة من المشكلات تتمثل في عدم قدرتهم على الاجتماع، لذا فإن أمور الإدارة توكل لأمراء الولايات، وهؤلاء ينسقون مع المكاتب الإقليمية للتنظيم”.
ويكمل الباحث أن “هذه اللجنة المفوضة تواجه أيضاً انقسامات داخلية حول أولويات التنظيم، بين من يركز على البقاء والتمدد في سوريا والعراق، ومن يرى ضرورة توسيع العمليات إلى أوروبا وآسيا، مما يزيد من تعقيد عملية صنع القرار”.
ويشير إلى أن “داعش” يعاني في سوريا بسبب الظروف الأمنية والملاحقات والاختراقات، “لذا سيلجأ التنظيم إلى تنفيذ عمليات ضد أهداف رخوة كما حصل في كنيسة مار إلياس، رغم تبنى تنظيم “أنصار السنة” للتفجير إلا أن بيان تبنيه تشوبه الكثير من الأخطاء والشكوك في مصداقيته”.
ويذكر سلطان أن التنظيم يستغل الفوضى في بعض المناطق السورية، خاصة تلك الخارجة عن سيطرة الحكومة أو القوات الدولية، لإنشاء معسكرات تدريب سرية، كما يعتمد على وسائل التواصل المشفرة لتجنيد العناصر وتنسيق العمليات، مما يصعب على الأجهزة الأمنية تعقبه.
ويلفت إلى أن “داعش” يعتمد على الأسلحة الخفيفة التي تسهل حركته، ويتحرك ضمن خلايا عنقودية صغيرة يصعب رصدها، ومع ذلك فإن هناك الكثير من العمليات الأمنية الناجحة قد استهدفت خلاياه مؤخراً.
ويضيف أن الخلايا النائمة التابعة للتنظيم تنتظر أوامر محددة لتنفيذ هجمات مفاجئة، مستفيدةً من نقاط الضعف الأمنية في بعض المناطق، خاصةً مع انشغال القوى المحلية والدولية بالصراعات الجيوسياسية في المنطقة.
عناصر مقادون لا قياديون
يقول عدنان الكناني، خبير أمني وعميد متقاعد، لـ”963+”، إن تنظيم “داعش” انتهى فكرياً وعسكرياً في العراق مع وجود أشخاص يحملون فكراً متطرفاً، بينما في سوريا يوجد أشخاص مقادون يحملون أفكار متطرفة دخيلة على الإسلام.
ويشير الكناني إلى أن العراق نجح نسبياً في تقليص خطر “داعش” بسبب التعاون الأمني بين بغداد وإقليم كردستان، بالإضافة إلى الدعم الدولي في مجالي الاستخبارات والتدريب العسكري، بينما تظل سوريا بيئة خصبة لانتشار التنظيم بسبب تعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين وتضارب مصالحهم.
ويضيف أن من يحرك هؤلاء الأشخاص في سوريا، هم؛ عناصر استخبارات يعملون وفق دوائر معينة ومحددة من قبل الجهات التي زرعتهم في البلاد، وهؤلاء منهم قادة وضباط ميدانيون، في حين يُقاد الأشخاص من قبل هؤلاء الضباط دون علمهم بأنهم تابعين لاستخبارات طرفٍ ما.
اقرأ أيضاً: “جيش سوريا الحرة” يتمدد شرق دمشق: تحصين ضد “داعش” ورسالة إقليمية
ويوضح أن بعض هذه الأجهزة الاستخباراتية تستخدم التنظيم كورقة ضغط في المفاوضات السياسية، أو لإرباك الخصوم، مما يجعل “داعش” أداة في صراعات بالوكالة بدلاً من كونه تنظيماً مستقلاً كما كان في السابق. مشيراً إلى أن مواجهة “داعش” تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً يضع حداً للاستغلال السياسي للتنظيم، بالإضافة إلى معالجة الأسباب الجذرية للتطرف، مثل الفقر والتمييز السياسي.
ويؤكد على أن تحركات التنظيم تتم عبر أجندة استخباراتية تحاول أن تؤثر وتستخدمهم كيد ضارية لتحقيق مكتسبات لصالح أجهزة أمنية معينة، ويقوم الضباط بتنفيذ توجيهات قيادتهم ويؤذون الجهات التي يُراد لها أن تؤذى.
ويختتم الكناني حديثه إن مواجهة “داعش” في سوريا تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً يضع حداً للاستغلال السياسي للتنظيم، بالإضافة إلى معالجة الأسباب الجذرية للتطرف، مثل الفقر والتمييز السياسي، وإلا فإن دورة العنف ستستمر.










