في خطوة تعكس تزايد تأثير الحكومة الانتقالية الجديدة في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وسع “جيش سوريا الحرة” – المدعوم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة – من نطاق انتشاره العسكري ليشمل مطاري الضمير والسين العسكريين شرقي العاصمة دمشق، ضمن سياق إعادة تشكيل خارطة السيطرة الأمنية في البادية السورية.
تمركز في الضمير: بداية الانتشار
بتاريخ 1 نيسان/أبريل 2025، أكّدت تقارير صحفية دخول قوات تابعة للتحالف الدولي وعناصر من “جيش سوريا الحرة” إلى مطار الضمير العسكري، وسط إجراءات أمنية مشددة شملت إقامة حواجز عسكرية داخل المدينة الواقعة على تخوم البادية الشرقية.
وأوضحت التقارير أن هذه الخطوة جاءت استجابة لطلب رسمي من وزارة الداخلية في الحكومة السورية المؤقتة، في إطار خطة توسيع نفوذ الجيش الحر على امتداد الشريط الممتد من قاعدة التنف إلى تدمر والسخنة وصولاً إلى الضمير.
وبعد أسبوعين، وبالتزامن مع تزايد وتيرة هجمات خلايا تنظيم “داعش” في المنطقة، أعلن جيش سوريا الحرة يوم السبت 17 أيار/مايو 2025، استمرار انتشاره في مطار السين العسكري القريب من الطريق الدولي M5 بين دمشق وحلب، والذي لطالما اعتُبر نقطة حيوية ضمن شبكة الدفاع الجوي السابقة للنظام.
وجاء في بيان رسمي نشره الجيش عبر منصة “إكس” أن قواته “تعمل ليلاً ونهاراً لحماية المدنيين ومنع تنظيم داعش من الوصول إلى الأسلحة أو تهديد أمن المنطقة”، مشدداً على التزامه بالتنسيق الكامل مع قوات التحالف الدولي.
كما أشار البيان إلى أن القوات ستعمل على “تأمين المطار وحمايته من أي عمليات تخريب محتملة”، في إشارة إلى أهمية الموقع الاستراتيجية في السيطرة على طرق الإمداد الحيوية ومواجهة أي تهديد محتمل من التنظيمات المتطرفة أو الميليشيات المدعومة من إيران.
اقرأ أيضاً: “جيش سوريا الحرة” يطلق حملة تمشيط لبادية تدمر – 963+
تعزيز التمركز والاستعداد لعمليات قادمة
وفي تصريحات خاصة لـ”963+”، كشف قيادي في جيش سوريا الحرة – طلب عدم ذكر اسمه – عن أن “التحركات الأخيرة التي رُصدت لخلايا داعش وبعض الميليشيات الإيرانية في البادية فرضت علينا التمركز في مواقع استراتيجية كـ مطاري السين والضمير”.
وأضاف: “هذه المواقع تتيح لنا مراقبة أي نشاط مشبوه في المنطقة، كما أنها مرشحة لتكون مركز عمليات أمنية مقبلة”.
وأكد القيادي أن هناك تنسيقاً متقدماً مع الحكومة السورية المؤقتة، كاشفاً عن خطط مستقبلية للتوسع نحو مطار التيفور ضمن “خطة انتشار عسكرية مدروسة”.
وأشار إلى استمرار الدعم والتنسيق مع التحالف الدولي، بما يشمل عقد اجتماعات دورية وتبادل المعلومات وتنفيذ عمليات مشتركة، موضحاً أن هذا الدعم يتيح لهم “تنفيذ عمليات أمنية فعالة وتقديم خدمات أمنية وخدمية للسكان المحليين”.
وتشكل قاعدة التنف، الواقعة عند المثلث الحدودي بين سوريا والعراق والأردن، المركز الرئيسي لجيش سوريا الحرة، حيث يتمركز فيها نحو 500 عنصر معظمهم من الضباط المنشقين عن الجيش السوري السابق. ومن هناك تُطلق دوريات ومناورات مشتركة مع القوات الأميركية لمراقبة منطقة البادية الشاسعة، واحتواء التمدد الإيراني، ومنع عودة تنظيم “داعش”.
وتعرضت هذه القاعدة الاستراتيجية في السابق لهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ كروز، نُسبت إلى فصائل إيرانية، في محاولة لإخراج القوات الأميركية.
غير أن واشنطن لا تزال ترى في “جيش سوريا الحرة” ذراعاً محلية فعالة في مواجهة “داعش” وردع طموحات طهران في سوريا.
دلالات استراتيجية وتحولات ميدانية
أوضح الباحث والخبير العسكري السوري محمد عباس، في تصريحات خاصة لـ”963+”، أن السيطرة على مطاري الضمير والسين تمثل “خطوة استراتيجية مهمة ضمن ما يمكن تسميته بالعقدة المطارية”، مشيراً إلى أهمية هذه المواقع في “توسيع نطاق الانتشار الجغرافي للقوات الجوية، وتعزيز قدرتها على الردع وتقديم الدعم اللوجستي في مناطق مهددة”.
وأضاف عباس: “لا يمثل هذا التوسع تحولاً جذرياً في الاستراتيجية، لكنه يضيف قدرة نوعية للجيش السوري الجديد في مواجهة التهديدات الإرهابية القادمة من الشرق والجنوب”.
وأكد أن التنسيق بين الجيش الحر والتحالف الدولي بلغ مستويات غير مسبوقة، مدفوعاً بالتغيير السياسي الذي فرضته المرحلة الانتقالية.
وفي إشارة إلى قرارات وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة بدمج الفصائل المسلحة ضمن قيادة موحدة، قال عباس إن “هذا القرار يمنح الجيش قوة إضافية، ويعزز قدرته على تنفيذ المهام بكفاءة أعلى في المواقع الحساسة مثل مطاري السين والضمير”.
وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات أميركية لافتة. فقد أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في منتصف أيار/مايو، عن نيتها رفع جميع العقوبات المفروضة على سوريا، استجابة لطلب سعودي، في تحول جوهري في السياسة الأميركية تجاه دمشق.
وأكد مسؤولون أميركيون أن وزارة الخزانة بصدد إصدار تراخيص عامة لدعم إعادة الإعمار، معتبرين أن هذه الخطوة تهدف إلى “تحقيق استقرار سلمي بعد عقود من الحرب”، في مؤشر على قبول واشنطن للحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع، وتوسيع الدعم للفصائل المدعومة من التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب واحتواء النفوذ الإيراني.
اقرأ أيضاً: تحولات ميدانية وتغيرات في خرائط السيطرة تشهدها سوريا – 963+
تحولات إقليمية وتشكّل مشهد جديد
يرى مراقبون أن التحركات العسكرية الأخيرة تأتي ضمن إعادة تشكيل جذرية للواقع السوري، بعد انهيار حكم البعث في نهاية 2024. فالإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع تسعى إلى بناء مؤسسات أمنية قادرة، وتوسيع رقعة السيطرة بالتنسيق مع شركاء إقليميين ودوليين، خاصة في مناطق البادية الغنية بالثروات والممرات الحيوية.
وفي هذا السياق، قال محمد سرميني، مدير عام مركز جسور للدراسات، لـ”963+” إن هذا الانتشار “يعكس بداية تبلور قرار عسكري أكثر مركزية تحت قيادة الإدارة الجديدة، وهو أمر جوهري لتوحيد القرار العسكري بعد سنوات من التشتت”. وأوضح أن “السيطرة على هذه المواقع تمنح الإدارة أدوات قوة ملموسة لتعزيز شرعيتها داخلياً ودولياً”.
وأضاف سرميني: “رغم أهمية هذه الخطوة، لا يزال المشهد هشاً سياسياً وأمنياً، وتواجه الحكومة الانتقالية تحديات جسيمة على صعيد توحيد الصفوف وإدارة المناطق المحررة وتحقيق المصالحة الوطنية”.










