خلال الفترة من 18 إلى 22 أيلول/سبتمبر 2025، شهدت العلاقات بين الحكومة السورية الجديدة والولايات المتحدة تحوّلاً ديبلوماسياً، تمثّل في سلسلة اتصالات رسمية وتقديم مبادرات لحوار حول العقوبات الأميركية المفروضة منذ سنوات، من بينها ما يُعرف بـ”قانون قيصر”.
هذه التطوّرات تمثّل تقليصاً في العزلة الدولية التي واجهتها سوريا، وتفتح احتمالات كبيرة على الأصعدة الاقتصادية والإعمارية، بما في ذلك استعادة الروابط المالية وفتح مجالات للاستثمار الدولي. إلا أن تحقيق هذه الفرص مرهون باستيفاء شروط تراها واشنطن ضرورية.
وشهدت زيارة الشيباني إلى واشنطن رفع العلم السوري على مبنى السفارة، وعقد لقاءات مع مشرّعين ومسؤولين أميركيين لمناقشة إمكانية رفع أو تخفيف عقوبات مثل “قانون قيصر”. وكان هدف المحادثات تخفيف أو رفع العقوبات وربما إعادة فتح سفارات ومصارف، حيث أفادت تقارير أميركية وإقليمية أن موضوع رفع القيود القانونية والاقتصادية كان على جدول أعمال اللقاءات، وأن بعض المشرعين طرحوا شروطاً أمنية وسياسية مرتبطة بتقدّم أي تخفيف.
والأحد، وصل الشرع إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة والاجتماعات الثنائية، في أول زيارة من هذا النوع منذ عقود. تصريحات الشرع أكدت أن سوريا “تعرف كيف تحارب لكنها لم تعد تريد الحرب”، مشيراً إلى أن التوصل إلى تفاهم أمني أو اتفاق مع إسرائيل أصبح ممكناً أو لا مفر منه، وهو ما أثار تفاعلاً واسعاً. وعلى الصعيد الإقليمي، أثار التقارب مع واشنطن مخاوف من ردّة فعل محتملة من روسيا وإيران، بينما أبدت دول الخليج وتركيا تقبّلاً ودعماً أكبر للانخراط مع دمشق كشريك مستقبلي.
فرص اقتصادية وديبلوماسية
يفتح رفع العقوبات الباب أمام إعادة الإعمار والاستثمار، إذ إن إزالة قيود مثل قانون قيصر تسمح بدخول شركات دولية وتدفّقات تمويل وإعادة عمل المصارف عبر النظام المصرفي الدولي، ما يسرّع تعافي القطاعات الأساسية مثل النفط والزراعة والبنية التحتية. كما أن إعادة فتح بعثات وسفارات وتبادل سفراء يعيد سوريا إلى منابر دولية ويخفّض عزلة استمرت سنوات، إضافة إلى فرص تسوية ملفات الأمن والحدود، وتفعيل دور الجاليات السورية كمصدر لتمويل أولي ونشاط اقتصادي سريع.
يقول الدكتور فراس شعبو، أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير في إسطنبول، لـ”963+”، إن الزيارة يغلب عليها الطابع السياسي وبدرجة أقل اقتصادي بعد سنوات من العزلة الدولية السياسية والديبلوماسية، والانفتاح على سوريا يرافقه انفتاح اقتصادي حيث يعتبر أحد الدوافع للديبلوماسيين السوريين والحصول على شرعية دولية تمهيداً لإزالة العقوبات، ودخول الإدارة السياسية السورية يفتح لها بوابة للمشاريع الاقتصادية والتمويل وفتح باب الاستثمارات. موضوع العقوبات كان معيقاً للاقتصاد السوري لكن هذا يحتاج إلى دراسة بشكل جيد وتشريعات وقوانين للنهوض بالاقتصاد من جديد.
اقرأ أيضاً: التفاصيل الكاملة لزيارة الشيباني إلى واشنطن
ويضيف أن “الالتزامات المفروضة على سوريا هي أمنية من مكافحة الإرهاب ومحاربة الفصائل وأذرع إيران ومكافحة المخدرات وتمويل الإرهاب، وضبط الحدود مع إسرائيل وشروط أخرى على الصعيد الداخلي لا سيما وزارة الدفاع وملف حقوق الإنسان والشفافية في إعادة الإعمار لإشعار الغرب بالاطمئنان من خلال الحوكمة والمساءلة وأمور أخرى قانونية ومالية تتعلق بمصير الأموال وكيف تُصرف”.
تحديات ومخاطر
التحديات كبيرة، إذ إن رفع العقوبات مشروط بالتزامات أمنية مثل مكافحة الإرهاب ومواجهة أذرع إيران وضبط الحدود، إلى جانب الشفافية في إعادة الإعمار ومصير الأموال. كما أن روسيا وإيران قد تعتبران التقارب مع واشنطن تهديداً لمصالحهما، وهو ما قد يؤدي إلى ردود فعل معقّدة.
أما داخلياً، فستكون الحوكمة وملف حقوق الإنسان من أهم المعايير التي يراقبها الغرب، ما يتطلب إصلاحات عميقة وإجراءات محاسبة واضحة. كذلك، فإن أي تحسن قد يكون هشاً إذا تغيّرت الأولويات السياسية في واشنطن، الأمر الذي يستدعي اتفاقات دائمة وليست مرتبطة بتبدّلات مؤقتة.
وتوصي السياسات العملية باعتماد إطار تفاوضي مرحلي وشفاف لرفع العقوبات، وسنّ قوانين للشفافية وإدارة أموال إعادة الإعمار، ووضع آليات تعاون أمني إقليمي، إضافة إلى استراتيجية لإعادة ربط المصارف السورية مع النظام المالي الدولي، وحوار إقليمي لتقليل الاحتقان مع روسيا وإيران.
ويشير شعبو إلى أن الزيارات تحسّن وتضبط العلاقات الإقليمية خاصة فيما يتعلق بتركيا وإسرائيل وروسيا وإيران، وكذلك الملفات الداخلية لا سيما قوات سوريا الديموقراطية. التقارب السوري مع واشنطن سيثير خوف روسيا وإيران، بينما ستكون دول الخليج ستنفتح على هذا التقارب خاصة أنها كانت سبّاقة في تعبيد طريق هذا التقارب.
ويعتبر أن زيارة الشرع والشيباني “تحوّل استراتيجي في السياسة السورية مع الخارج وليست خطوة تكتيكية، وإعادة دمجها في المنظومة الدولية عبر رفع العقوبات وعودة المصارف. لكن الأمر يحتاج إلى اتفاقات ملموسة على الأرض وتفاهمات قابلة للتنفيذ دون أن يكون مشروطاً، إنما يكون توجهاً استراتيجياً دائماً خوفاً من تغيّره مع تغيّر الإدارات في أميركا”.
من جهته، يرى إحسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة موري ستايت كنتاكي، أن الولايات المتحدة هي عاصمة القرار في العالم والعلاقة معها ليست خياراً إنما أمر ضروري. وهناك صفحة جديدة في العلاقات بين سوريا الجديدة وأميركا التي تقدر أن هناك دولة اسمها سوريا تريد أن تكون طبيعية ولا تلعب دور تدمير كما كان يفعل نظام الأسد، خاصة في موضوع الإرهاب والمخدرات، كما أن إدارة ترامب ترى أن قائد سوريا الجديدة براغماتي ويقود البلاد في الاتجاه الصحيح كما تراه واشنطن.
ويضيف لـ”963+” أن “سوريا دولة كبيرة وغنية ولديها مقدرات طبيعية وبشرية كبيرة ولا تحتاج إلى مساعدات خارجية، فقد عُرف شعبها بنشاطه الاقتصادي تاريخياً، ولديها مقومات اقتصادية كبيرة من ثروات باطنية وخيرات زراعية وتعتبر مقصداً سياحياً، وكل ذلك من الممكن أن يساعدها بالنهوض”.
اقرأ أيضاً: مسؤول سوري: خطاب الشرع بالأمم المتحدة سيركز على رؤيته للملفات الداخلية والخارجية
ويشير إلى أن أميركا ليس لديها رؤية معينة تجاه سوريا فيما يخص موضوع الأقليات وحقوق الإنسان، فدمشق تريد سوريا موحّدة وتشارك فيها كل الأطراف، وهو ما يوافق رؤية أميركا وما تريده من القيادة الجديدة في دمشق، بينما تعرقل إسرائيل ذلك، رغم تطابق رؤى دمشق وواشنطن في كثير من الملفات الداخلية وطريقة تعاملها مع الجوار.
ويضيف: “جميع دول العالم تريد لسوريا أن تنجح بعد إسقاط نظام الأسد وطرد إيران وأن تشهد استقراراً ونمواً اقتصادياً لأنها تمثل مفتاح الاستقرار لدول شرق المتوسط. بينما تسعى دولتان لزعزعة الاستقرار ومحاربة سوريا الجديدة هما إسرائيل وإيران، فالأولى كانت تجد مصالحها في بقاء نظام الأسد، بينما الثانية قطعت عليها سوريا الجديدة مشروعها الإقليمي. ثم إن هناك مصلحة عالمية بأن لا تكون سوريا دولة تنشر الإرهاب والكبتاغون”.
ويختم تصريحه بالقول: “ليس هناك حياد في العالم، فالغرب يحكم العالم وأميركا هي قائد العالم. ومكان سوريا الطبيعي أن تكون مع العرب ومن يقودهم السعودية حليف الولايات المتحدة، مع وجود قوة لمصر التي تعتبر دولة فاعلة، وتركيا التي تجاور سوريا والتي تبحث عن علاقات جيدة مع الجميع، وهذه سياسة واعية من قبل الإدارة السورية الجديدة”.










