تتحضر السعودية وفرنسا لعقد مؤتمر بشأن حل الدولتين لاعتماد خارطة طريق لحل الأوضاع في فلسطين، وكانت الرياض قد أعلنت السعودية عن إطلاق “التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين”، وفق ما قال وزير الخارجية السعودي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والسبعين في نيويورك.
وتبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول 2024 قراراً يدعو إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعقد مؤتمر دولي في يونيو المقبل تترأسه فرنسا والسعودية، للدفع قدمًا باتجاه حلّ الدولتين.
وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نيسان/أبريل الماضي إن باريس قد تعترف بدولة فلسطينية في المؤتمر الذي ترعاه بلاده والرياض، وفي 19 أيار/مايو الجاري جدّد ماكرون عزمه الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفي بيان مشترك أصدره مع رئيسي الوزراء البريطاني كير ستارمر والكندي مارك كارني حذّر الزعماء الثلاثة من أنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي إزاء الأفعال المشينة لإسرائيل في غزة، وهدّدوا باتخاذ إجراءات ملموسة إذا لم تبادر إلى وقف عمليتها العسكرية وإتاحة دخول المساعدات الإنسانية.
ولكن ماكرون قال الجمعة الماضي، إنه قد تم تأجيل المؤتمر الدولي بشأن حل الدولتين الذي كان من مقررا في الأمم المتحدة الأسبوع المقبل، وأكد أنه سيُعقد “في أقرب وقت ممكن”.
وصرح ماكرون في مؤتمر صحافي: “على الرغم من أننا مضطرون لتأجيل هذا المؤتمر لأسباب لوجستية وأمنية، إلا أنه سيُعقد في أقرب وقت ممكن”، وشدد على أن ذلك “يجب ألّا يشكك بتصميمنا على الدفع قدما بحل الدولتين”.
وتعول الرياض وباريس على المساهمات التي ستوفرها المجموعات التي تعمل على تقديم مقترحات ستتضمنها الوثيقة النهائية، والأمر اللافت ثنائية رئاسة المجموعات، وأبرزها مجموعة برئاسة أردنية ــ إسبانية المعنية بقيام الدولة الفلسطينية، والثانية الخاصة بالمسائل الأمنية وكيفية ضمان الأمن للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي برئاسة إيطاليا وإندونيسيا، والرابعة المختصة بتوفير المقومات الاقتصادية للدولة الفلسطينية النرويج واليابان.
أما الخامسة فمتخصصة بالشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار، فيما الأخيرة يترأسها الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، ومهمتها تقديم مقترحات بشأن المحافظة على ديمومة اتفاق السلام، الذي قد يتم التوصل إليه.
ويقوم المؤتمر على مبدأ التبادل أو المقايضة، من جهة دعوة الدول التي لم تعترف بالدولة الفلسطينية وغالبيتها دول غربية إلى الإقدام على هذا العمل. وفي الجهة المقابلة، دعوة الدول العربية والإسلامية التي لم تعترف بعد بدولة إسرائيل إلى الاعتراف بها وتطبيع العلاقات معها.
وكان ماكرون الذي سيسافر إلى نيويورك في 18 حزيران/يونيو، دعا عباس في أبريل الماضي الى “استبعاد” حماس من غزة و”إصلاح” السلطة الفلسطينية من أجل “التقدّم نحو حل سياسي قائم على دولتين”.
وفي رسالة وجهها إلى ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي سيشارك في رئاسة المؤتمر حول حل الدولتين من 17 إلى 21 حزيران/يونيو في نيويورك، قال عباس أيضا إنه “مستعد لدعوة قوات عربية ودولية للانتشار كجزء من مهمة الاستقرار/الحماية بتفويض من مجلس الأمن”.
وأضاف أن دولة فلسطينية مستقبلية “لن تكون لديها نية بأن تكون دولة عسكرية وهي مستعدة للعمل نحو ترتيبات أمنية تعود بالنفع على جميع الأطراف طالما أنها تستفيد من حماية دولية”. وكتب “ما فعلته حماس في تشرين الأول/أكتوبر 2023 من قتل وأسر مدنيين أمر غير مقبول”، داعيا الحركة إلى “الإفراج الفوري عن جميع الرهائن”.
ورّحب الإليزيه “بالتزامات ملموسة وغير مسبوقة، تظهر رغبة حقيقية في التحرك نحو تنفيذ حل الدولتين”. وتريد فرنسا أن تجعل من المؤتمر الدولي الذي سيعقد في الأمم المتحدة محطة محورية لإعادة إطلاق حل الدولتين، وهو ما ترفضه الحكومة الإسرائيلية.
تحديات ومعوقات
يقول الدكتور عمران زهوي، كاتب وباحث سياسي، يقيم في بيروت، لـ”963+”، إن هناك تحديات كبيرة ومعقدة، والتعويل من أطراف كثيرة على المؤتمر لإعادة إحياء المسار السياسي للقضية الفلسطينية وإعادة الزخم الدولي إلى طاولة المفاوضات.
ويضيف أن هذه المبادرة تأتي في ظل مرحلة حرجة تشهدها القضية الفلسطينية في أعقاب التصعيد العسكري غير المسبوق في غزة، والتوسع الاستيطاني المستمر في الضفة الغربية والانقسام السياسي الفلسطيني.
ولا يعتقد في الوقت الراهن أنه من الممكن أن يؤدي إلى شيء في ظل تعنت نتنياهو والحكومة اليمينية المتطرفة، وإذا قام حزب “شاس” بالانسحاب ستكون هناك انتخابات للكنيست، “ولا أعتقد أن نتنياهو سيكون الرابح لأن علاقته مع ترامب ليست جيدة، كما أن المحاكمة بشأن قضايا الفساد تلاحقه، ومن الممكن أن يفتعل حرب برية مع لبنان مما سيودي إلى إعادة خلط كل الأوراق”.
اقرأ أيضاً: تصعيد إسرائيلي مفاجئ على الساحل السوري.. رسائل متعددة وسط هدوء داخلي حذر
ويضيف: “هذا المؤتمر طموح إلا أن فرص نجاحه ستعتمد على مجموعة من العوامل، في مقدمتها تجاوب المجتمع الدولي، ولاسيما الولايات المتحدة مع مخرجاته، إذ أن واشنطن مازالت تحتفظ بتأثير في الملف سواء عبر دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل أو من خلال قدرتها على التأثير في دول أخرى”.
ويرى أن الموقف الإسرائيلي الراهن “عائقاً جوهرياً”، حيث ترفض حكومة بنيامين نتنياهو الاعتراف بحل الدولتين وتواصل سياسات تهويد القدس وتوسيع المستوطنات. وكان عدد من الوزراء الإسرائيليين قد دعوا في الأشهر الماضية إلى ضم الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ العام 1967، طبقاً لقوله.
ويوضح أن النجاح الحقيقي للمؤتمر “لن يقاس بعدد المشاركين أو مستوى التمثيل السياسي، بل بما سيخرج عنه من قرارات ملموسة، والتزام فعلي بترجمتها”. وإذا ما تمكن المؤتمر من تحديد خطوات واضحة لإعادة إطلاق عملية السلام وتوفير ضمانات دولية لوقف الاستيطان وإلزام إسرائيل بالقانون الدولي فإنه سيكون قد قطع شوطاً مهما نحو استعادة مسار الدولة الفلسطينية.
ويتابع أن نحو 150 بلداً تعترف بدولة فلسطين التي تحظى بصفة عضو مراقب في الأمم المتحدة، أي أن عضويتها غير كاملة، إذ لم يصوت مجلس الأمن على قبولها بهذه الصفة. ولكن السعودية هي الدولة المحورية في حل النزاع لأن موقفها من التطبيع واضح “فإذا تغيرت الظروف الأميركية في التعامل مع الملف آنذاك ممكن أن نرى بصيص أمل بواسطة السعودية وأميركا لحل القضية الفلسطينية”.
المؤتمر.. نتاج عمل
من جهته، يشير لواء محمد بن صالح الحربي، أستاذ الدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، يقيم في الرياض، في حديثه لـ”963+”، إلى أن التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين هو مبادرة أطلقتها السعودية بالشراكة مع دول عربية وإسلامية وأوروبية، بهدف تعزيز الاعتراف الدولي بدولة فلسطين ودعم تنفيذ حل الدولتين وفق قرارات الأمم المتحدة. وتم الإعلان عنه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ويُعقد اجتماعه الأول في الرياض، بمشاركة دبلوماسيين ومبعوثين من عدة دول ومنظمات دولية.
ويوضح أن أهداف التحالف؛ إرساء خارطة طريق لتنفيذ حل الدولتين، بما يشمل إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ودعم الجهود الأممية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، عبر تقديم خطوات عملية لتنفيذ الحل السياسي، وفق تعبيره.
ويضيف أن التحالف يسعى لتعزيز الاعتراف الدولي بفلسطين، حيث رحبت السعودية باعتراف دول مثل النرويج وإسبانيا وأيرلندا بدولة فلسطين. وتقديم مساعدات إنسانية وإغاثية، حيث قدمت السعودية أكثر من 5 مليارات دولار لدعم الشعب الفلسطيني، بما في ذلك مساعدات عاجلة لغزة.
ويلفت إلى أن المؤتمر الدولي الذي تقوده كل من المملكة العربية السعودية وفرنسا، يعتبر تجسيداً لمخرجات جميع المؤتمرات التي عُقدت وما نتج عنها من قرارات وتشكيل لجنة من 10 دول عربية إسلامية لتجوب العالم وتُطلق هذا الملف بقوة وتروج له.
اقرأ أيضاً: مقترح أميركي جديد لإيران!
ويشير إلى أن الموقف الدولي في التحالف بات واضحاً في بلورة حل عملي استراتيجي مبني على الشرعية الدولية والتحالف وجذب العديد من الدول للاعتراف بفلسطين، ويعتبر نتاج عمل وتعاون دولي بشأن حل الدولتين.
ويضيف أن غالبية الدول تتجه نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، كما أن المواقف الدولية تغيرت تجاه سياسة إسرائيل وما ارتكبته من انتهاكات وجرائم لا تسقط بالتقادم، ويظهر ذلك أيضاً في مقررات محكمة الجنايات والعدل الدوليتين.
ويوضح أن إسرائيل خرجت عن الأعراف الإنسانية والأخلاقية ومعايير الأمم المتحدة، في ظل سيطرة اليمين المتطرف على الحكومة الإسرائيلية والذي يأخذ إسرائيل إلى حافة الهاوية، حيث يخشون هؤلاء من انتخابات مبكرة ولا يمكن التعويل عليهم بأي اتفاقيات، وفقاً لقوله.










