في تطور يعيد خلط الأوراق الأمنية في سوريا، عادت الطائرات الإسرائيلية، منذ عشرة أيام إلى استهداف مواقع عسكرية في الساحل السوري، وذلك بعد أسابيع من الهدوء النسبي. وشملت الغارات مواقع في ريف جبلة وريف طرطوس، أبرزها اللواء 107 وثكنة البلاطة قرب مساكن الإسمنت، ما أثار حالة من الترقب والقلق في المنطقة، وسط نداءات محلية للأهالي بالتزام منازلهم خشية غارات إضافية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت حساس تمر فيه البلاد بمرحلة انتقال سياسي، تتولى فيه حكومة جديدة زمام الأمور عقب انهيار النظام السابق، في محاولة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
وأمس الأحد، قصفت طائرات حربية إسرائيلية، أحد عناصر حركة “حماس” في منطقة مزرعة بيت جن جنوبي سوريا، قرب هضبة الجولان المحتل.
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، في بيان مقتضب، إن “طائرات جيش الدفاع نفذت ضربة جوية استهدفت عنصراً تابعاً لحماس في المنطقة المذكورة”، دون الإشارة إلى حجم الخسائر.
اقرأ أيضاً: غارة جوية إسرائيلية على موقع لحركة “حماس” جنوبي سوريا – 963+
استمرار الغارات ضمن استراتيجية محسوبة
الصحفي والباحث السوري علي عيد رئيس تحرير جريدة عنب بلدي، يؤكد في تصريحات لـ”963+”، أن الغارات الأخيرة لا تخرج عن السياق العام للاستراتيجية الإسرائيلية، بل تأتي كامتداد لحملة متواصلة تستهدف ما تعتبره تل أبيب تهديداً استراتيجياً.
وبين تسلم رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع للسلطة وحتى نهاية أيار/ مايو الماضي، تم تنفيذ ما يزيد عن 700 غارة داخل سوريا، بعضها استهدف الساحل مباشرة. وتشير المعلومات المسرّبة إلى أن بعض المواقع المستهدفة كانت تحوي صواريخ بحرية، وأخرى أرض–جو وأرض–أرض طويلة المدى، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديداً طويل الأمد يجب تحييده مبكراً.
ويشير عيد أيضاً إلى أن هذه الغارات “تحمل رسائل سياسية محسوبة”، دون أن تتخطى الخطوط الحمراء المتفق عليها ضمن التفاهمات الإقليمية والدولية، خصوصًا بعد اجتماعات باكو التي شهدت – بحسب تعبيره – “خروج تفاهمات أمنية إلى العلن، من بينها ما يرتبط بإدارة العلاقات بين دمشق وواشنطن”.
الغارات ليست مفاجِئة بل استمرار لنهج قائم
من جانبه، يقول العقيد أكرم أبو ميجنا، الخبير العسكري السوري، في تصريحات لـ”963+” إن “الغارات الإسرائيلية الأخيرة لا تمثل عودة مفاجئة بقدر ما هي استمرار لسياسة ثابتة”.
ويضيف: “إسرائيل لم تتوقف فعلياً عن استهداف المواقع العسكرية في سوريا. تختار توقيتات مناسبة لتذكير الجميع بوجودها، خصوصاً عند شعورها بضغط سياسي أو إقليمي. الغارات على الساحل ليست جديدة، حتى وإن تغير الموقع الجغرافي بدقة، إلا أن المنطقة لطالما كانت ضمن بنك الأهداف”.
وعن قدرة الجيش السوري على الرد، يوضح العقيد أن “الدفاعات الجوية الحالية في سوريا لا تملك منظومات فعالة للتصدي للطائرات الإسرائيلية التي تنفذ غاراتها من مسافات آمنة، ودون أي تدخل جوي مضاد يُذكر”.
وفيما يتعلق بمدى ارتباط الغارات بالتوترات الأمنية الداخلية، يوضح أبو ميجنا: “قد تكون هناك رسائل موجهة لإيران أو لمجموعات خارجة عن السيطرة. إسرائيل تزعم أنها تستهدف مستودعات تابعة للنظام البائد، لكن لا توجد معلومات دقيقة تؤكد أو تنفي ذلك”.
ويؤكد العقيد أن الأثر الأكبر للغارات في الوقت الحالي “نفساني وإعلامي”، بينما لا تشكل هذه الضربات تهديداً استراتيجياً ملموساً، مضيفاً: “القيادة الجديدة في سوريا تحاول عبر الدبلوماسية احتواء التصعيد، وتركّز على إعادة هيكلة الجيش وتقوية الاقتصاد، بدل الانجرار لمواجهة إقليمية غير محسوبة”.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي إلى سوريا يصل إسرائيل ويزور هضبة الجولان – 963+
إعلام رسمي حذر… وموقف دولي رافض
وحول التغطية الإعلامية، اعتبر علي عيد أن الطابع الخبري هو الغالب، دون تبني لهجة تصعيدية، مضيفاً أن “الإدارة الجديدة لا تبدو قادرة، أو حتى راغبة، في الرد العسكري المباشر”، وهو ما وصفه بتماهي واضح مع الاستراتيجية التي تعتمد على تثبيت الداخل، لا التورط في مواجهات جانبية.
من جهتها، دانت أطراف دولية وإقليمية هذه الضربات، من بينها المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا، ودول أوروبية وعربية حليفة لدمشق، والتي رأت فيها تهديدًا لاستقرار المنطقة، ومحاولة لإعادة سوريا إلى ظروف أمنية مشابهة لما قبل التحرير.
عيد يشير في ختام حديثه إلى أن “هذه الضربات تلامس الخطوط الحمراء لكنها لا تتجاوزها. الخطر الحقيقي يكمن في احتمال أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى تقويض جهود التنمية وإعادة الإعمار في سوريا والمنطقة. إسرائيل اليوم أمام مفترق طرق: إما استمرار التصعيد، أو الانخراط في ترتيبات تفرضها التفاهمات الدولية القائمة”.










