ترتبط كتابات الشاعرة السورية عبير سليمان بالواقع بشكل جليّ، وتبدو بأسلوبها وإحساسها كمن يزرع أملا رغم كل الحزن المحيط بهذا الواقع، لذلك رفضت كثيرا مغادرة سورية خلال سنوات الحرب السابقة وترفض هذه الفكرة اليوم أيضاً. وصدر لها مجموعات شعرية منها “ونفخ في الناي”، “وسائد موقونة”، “القتلى يطرقون الباب” فهي تستعين بالشعر لتجاوز إحباطات الواقع، والمضي في طريق بعيد عن التوتر.
كان للعدد السادس من صحيفة “963+” هذا الحديث معها:
بداية كيف تجارين كأديبة وشاعرة الوضع الراهن من الناحية الشخصية الإنسانية ومن الناحية الأدبية؟
لا شكّ بأن سوريا، ومنطقة الشرق الأوسط، عموماً تمرّ بظروف سياسية استثنائية ومفصلية مِن شأنها إعادة ترتيب الخريطة أو شكل الحكم أو حتى طبيعة العلاقات الاستراتيجية، وحتى المجتمعية، بين أبناء الشعب السوري. حقيقةً نحن أمام تجربة جديدة وغير مسبوقة، كل ما فيها مفاجئ ومرشّح للتصعيد، وهذا بالتأكيد يستحوذ على تفكير أي إنسان عادي، وباعتباري متابعة ومهتمة بكل ما يجري حولنا، يمكن القول إن الأوضاع الحالية تسيطر على عقلي ومشاعري وتجعل لدي الكثير من الأفكار الأدبية الصالحة للكتابة حتماً لكنها مؤجلة ريثما تخفّ وتيرة الأخبار والمستجدات فيهدأ العصف الذهني الذي يجعلنا متنبهين ومشغولين عن أنفسنا طوال الوقت.
عبير سليمان من الشاعرات اللواتي بقين في الوطن رغم ظروف الحرب، وبرغم وجود فرص للسفر والنفس المعارض الذي حملته للنظام السابق لماذا لم تراودك هذه الفكرة سابقا وهل يمكن أن تقومي بها حاليا؟
أحب سوريا ولا أحب السفر، رغم كل حروبها وحِرابها وبنادقها ودخانها وعيوبها، أحبها ولا أريد السفر. رفضتُ فكرة الهروب طوال الوقت لأنني لا أجد نفسي في جغرافية ثانية، بعيدة أو قريبة. وأكثر ما يخفيني ويزعجني اليوم أن أضطر للرحيل إذا تحوّلت الحياة هنا إلى نوع من الانحدار والتهديد المتواصل. ليست لدي أملاكٌ ومصالح أخسرها هنا، لكن كل شبر وكل أحد في البلاد يعنيني وأخاف عليه، وكل ما رجوته في حياتي أن تحبني سوريا مثلما أحببتها.
كيف تمكن الظرف السابق والحالي من التأثير على النتاج الإبداعي لك؟
كتابتي متورطة بكل ما يجري حولي منذ أول حرف كتبته، كانت ومازالت وسوف تبقى كذلك، إنما مع الظرف الغريب حولي اليوم، لا أجد لدي قدرة على كتابة الشعر، لدي أفكار وصور كثيرة لكن اللغة تخونني؛ قد تكون عاجزة عن توصيف المشهد الراهن في مدينتي.
اقرأ أيضاً: محمد طه عثمان مسيراً لأعمال اتحاد الكتّاب العرب في سوريا – 963+
“وسائد موقوتة”، “القتلى يطرقون الباب” عناوين تدل على المرحلة هل يمكن نقل الواقع كما هو أم أن الشعر يجمّل قليلا قبح الواقع؟
الشعر الحقيقي حر في تعاطيه مع العالم، إما يرسم لوحة واقعية أو تجريدية أو سريالية، المهم أن يستوعب إحساس الشاعر، سواء كان إحساسه جوهرة مشعّة أو جمرة تخبو نيرانها ببطئ.
هل يمكن أن ينجح سلاح الكلمة في العالم العربي؟
هذا منوط بأمور كثيرة، ليس باللغة أو الكلمات وحدها، بل بالتوقيت كذلك، وبالمكان أحياناً، وبجملة الظروف التي ترافق ولادة الشعر، وهذا يلعب لصالح القصيدة أو ضدها، لذلك تنجح بعض العبارات الساذجة في الانتشار والتأثير أحيانا على حساب نصوص غاية في البلاغة والقيمة المعرفية.
كيف ترين واقع المشهد الثقافي في سورية وما الذي يحتاجه الشعراء والأنثى تحديدا؟
المشهد الثقافي اليوم أشبه برمال متحركة لا يمكن التنبؤ بموطئ قدمٍ ثابت، يتأرجح بين الخراب الناجم عن سنوات الحرب السابقة والفوضى التي تفرضها تجاذبات المرحلة الحالية.
إنما دوماً وأبداً يحتاج الشعر والشعراء إلى الحرية، بعيداً عن الوصاية والشروط. أما الأنثى تحديداً، فهي تحتاج إلى الصبر في مواجهة التحديات والصعوبات والذكوريات المحيطة بها، الكثير من الصبر والإرادة والعزيمة من أجل تجاوز جميع المعوقات.
ما أبرز ما عاناه المبدعون في سورية أيام النظام المخلوع؟
عانى المبدعون من رثاثة المشهد الثقافي الرسمي المفروض على الجميع، من تمدد المتسلقين والانتهازيين والمتملقين الذين لا يملكون الموهبة بل الهوس بالظهور بأي ثمن رغم إدراكهم لرداءة إنتاجهم، هذا الأمر جعل الأدباء والشعراء يعيشون واقعاً أقرب إلى العزلة في ظل ندرة النشاطات الثقافية النوعية التي تهتم بهم أو تسترعي انتباههم. ناهيك عن عجز الكثيرين عن طباعة ونشر إبداعاتهم بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة في الوقت الذي حظي أدباء وشعراء سوريا في الخارج بالكثير من الضوء والاهتمام والتعاطف باعتبارهم ضحايا نظام استبدادي.
اقرأ أيضاً: الروائي خليل صويلح لـ“963+”: الكتاب سلعة غير مرغوبة مقارنة بأغنية في ملهى ليلي – 963+
يطلق عليك البعض مسمى الشاعرة المتمردة، حالة التمرد هذه على ماذا؟ داخلية أم بسبب المحيط؟
لا عِلم لي بهذا اللقب لأصدقك القول، ما أعرفه عن نفسي أنني هادئة ومسالمة جداً في حياتي العادية، صامتة طوال الوقت ما لم أجتمع بالأصدقاء والمقربين؛ عندها أتحدث بحماسة، لكنني، ورغم الهدوء والسلام الداخلي الذي أعيشه، أعي امتلاكي للشجاعة والقدرة على المبادرة عندما يتطلب الأمر وهذا متعلق بما يمليه عليّ الواجب، والمبدأ الذي أؤمن به. فإن جاز اعتبار هذا الطبع تمرداً فلا بأس بذلك.
هل ينقذ الشعر شعور الأديبة عبير ويحملها إلى عالم أجمل، أم ترين نفسك محملة بضجيج الأحداث المحيطة؟
أحياناً يُعينني الشعر على إلقاء الحمولات المرهقة عن كتفي، قد لا يأخذني إلى عالم أجمل لكنه يخفف عني بالطبع ويهدئ روعي.
ما الذي يخيفك اليوم أو تخشينه؟
أخاف سوريا.. أحبها وأخشاها. أخاف أن ترغمني على الرحيل.
ماهي ماهية وروح مجموعتك الشعرية المقبلة؟
أعتقد أن دواويني القادمة امتداد لمجموعاتي الشعرية السابقة، تدور في نفس الفلك: البلاد، وكل ما أحببته ومَن أحببته فيها.
أمنياتك على الصعيدين الشخصي والعام؟
على الصعيد الشخصي أن أنجو وأسترد الحرية والأمان وأعاود الحلم. وعلى الصعيد العام، أن ينجو جميع الخائفين في سوريا، ويستردون الحرية والأمان ويعاودون أحلامهم.










