خليل صويلح من أبرز الروائيين السوريين والعرب. عمل في الصحافة الثقافية العربية منذ منتصف الثمانينيات، وصدر له العديد من المؤلفات الأدبية في الرواية والنقد. حاز العديد من الجوائز، منها جائزة نجيب محفوظ في عام 2009 عن روايته “ورّاق الحب”، وجائزة زايد للكتاب في عام 2018 عن روايته “اختبار الندم” التي تُرجمت إلى الألمانية والأوكرانية والإيطالية. وفي نهاية العام المنصرم، صدرت له رواية “ماء العروس”، التي تشكل محوراً أساس لحوار في العدد الرابع من صحيفة “963+”، هذا نصّه:
بدايةً، نتحدث عن “ماء العروس” التي ترصد حالات الألم. إلى أي درجة يمكن للكاتب الوقوف على واقع مرير، ثم التجرد لسرد حكايات شخصياته بحيادية؟
لا يمكن للروائي أن يكون محايداً تجاه شخصيات روايته. فبمجرد الاشتباك معها، يجد نفسه غارقاً في معارك لا تنتهي، كمن يجلس في غرفة المراقبة، يضيء بكشّاف مشع مصير هذه الشخصية أو تلك، تبعاً لسيرورة السرد والثيمة التي يعمل عليها كما لو أنها قماشة بيضاء تتلوث بحبر السرد تدريجياً.
في “ماء العروس”، يتتبع الراوي سيرة إسماعيل منذ كان طفلاً، بالتناوب مع سيرة الراوي نفسه، من خلال تقنية الحذف والإضافة، لغياب اليقين من جهة، ولإفساح المجال لنزوات المخيلة في اقتفاء أثر الشخصية من جهةٍ أخرى. وإذا بمسارب متعددة تقود السرد إلى تأريخ حياة البدو والصدمات التي أطاحت بطمأنينتهم نتيجة التحولات السياسية والانقلابات العسكرية.
في جوهر الرواية، تتمركز فكرة “الإذلال” إذ تعيش كل الشخصيات شكلاً من أشكال الإذلال، وهذا ينعكس على حياة الراوي نفسه، باستدعائه وقائع عاشها عن كثب طوال خمسة عقود، في ظل كمٍّ استبدادي ينطوي على حالة فزع تبزغ من الشقوق، سواء في يومياته في دمشق التي تعيش حرباً طويلة، أو من مخزن الأنقاض المتراكم في أدراجه على هيئة مسودات لم تكتمل.
وتالياً، هذه الرواية محاولة لترميم تاريخ مهمل يتأرجح بين رمل الصحراء وبياض أجراس القطن في الحقول، بتحديقة جديدة لصورة المثقف.
نجد احتفاءً شعبياً وثقافياً بنتاجاتك. كيف تستقبل هذه الحالة في ظل الوضع الراهن الذي يُغيّبُ الكِتاب؟
احتفاء شعبي؟!
لا أظن ذلك. في توقيع هذه الرواية، اقتنى الأصدقاء نحو 100 نسخة لا أكثر. الكتاب سلعة غير مرغوبة شعبياً، مقارنة بأغنية في ملهى ليلي. شخصياً، أكتفي بعدة قراءات نقدية وأخرى احتفالية، لأنني في العمق أكتب كنوع من العلاج.
الكاتب في نهاية المطاف شخص مريض يأمل أن ينظّف صدره وروحه مما علق بهما من آلام وأوجاع وقهر. لكن، في المقابل، ثمة جمهور نخبوي يهتم بالأدب الجاد.
ورغم ضآلة عدده، يبقى أثره على الكاتب كبيراً. حين يتفاعل القارئ مع عمل أدبي ويشعر أنه يعبر عنه أو يكشف زاوية غائبة عن حياته، فإن ذلك يُعيد للكاتب جزءاً من يقينه بأن الكتابة ضرورة وليست ترفاً.
جميعنا نعرف ما حدث ويحدث في سوريا. كيف يمكن للوطن أن يكون مداداً؟ وكيف تجلّى تأثيره في أدبك؟
في بلاد عاشت حرباً شرسة، تضج الجنازات في الرأس أكثر من أغاني الغرام. في هذا الممر الإجباري للألم، أنجزت خمس روايات تدور جميعها حول الدمار النفسي للحرب، سواء على هيئة يوميات كما في “جنة البرابرة”، أو فحص ما يعتمل في الصدر من آثام كما في “اختبار الندم”، أو أحوال العزلة كما في “عزلة الحلزون”، والبلاد التي تحولت إلى مقبرة جماعية كما في “احتضار الفرس”، وصولاً إلى “ماء العروس”.
كما ترون، أسير في بلاد منكوبة تاريخياً، ولا مناص من تأريخ هذه النكبة. في النهاية، نحن نعيش في بلاد ممزقة، لا وطن حقيقياً لنا. ربما كانت الكتابة وطني الوحيد. لكن رغم كل ذلك، أؤمن أن الأدب قادر على منحنا عزاءً ما، على الأقل في إعادة سرد الواقع من منظور جديد قد يسمح بفهمه أو تجاوزه. حتى الألم عندما يُصاغ في عمل أدبي، يصبح أكثر احتمالاً.
بعد ترجمة روايتك “اختبار الندم” إلى الألمانية والأوكرانية، صدرت مؤخراً بالإيطالية. هل تنتقي الروايات لترجمتها، أم أن الأمر متروك للجهات الناشرة؟
لا أسعى إلى الترجمة، لكن ما حصل أنني فزت بجائزة الشيخ زايد للأدب في أبوظبي، عن روايتي “اختبار الندم”، وكان بين مهامها تقديم منحة لدور نشر أجنبية لترجمة الأعمال الفائزة إلى أربع لغات عالمية. تُرجمت هذه الرواية فعلاً إلى ثلاث لغات حتى الآن: الأوكرانية، والألمانية، والإيطالية. الأمر مبهج معنوياً لا أكثر.
سبق ذلك ترجمة روايتي “ورّاق الحب” إلى الإنكليزية بمنحة من الجامعة الأميركية في القاهرة بعد فوزي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية. مع ذلك، لم أستلم نسخة واحدة من هذه الترجمات. ويبقى
السؤال: هل تصل هذه الروايات إلى جمهورها المستهدف؟ لا أعرف. الترجمة جسر، لكنها ليست ضمانة للعبور.
ما الجديد الذي تحضّر له على الصعيد الأدبي؟
أحتاج إلى وقت طويل للتفكير برواية جديدة، فبالنسبة إلي، تهطل الرواية فجأة بجملة استهلالية ما، ثم تتدفق الأفكار والشخصيات والمصائر المعلّقة. ولطالما خشيت هذه اللحظة. أشعر برعب حقيقي بسبب الأوجاع النفسية التي تداهمني، إذ إن الشخصيات ترافقني مثل ظلٍّ حتى أطوي الصفحة الأخيرة من الرواية.
ورغم ذلك، هناك أفكار تدور في ذهني حول كتابة عمل يختلف قليلاً عن أعمالي السابقة، ربما يكون أكثر ميلاً إلى التحليل النفسي أو التأمل في أثر الزمن على البشر. لكنني لا أتعجل الكتابة، فأنا أؤمن أن كل رواية تحتاج إلى نضوج داخلي قبل أن تُكتب.
في النهاية، يبقى الأدب انعكاساً للألم والفرح، للتاريخ الشخصي والجمعي، لمحاولة فهم الذات والعالم. ربما الكتابة هي طريقتي الوحيدة للنجاة.










