في شمال درعا جنوبي سوريا، حيث تمتد الحقول اليابسة وتتناثر القرى بين تلالٍ أكلتها الحرب، يتصاعد الدخان من حفرةٍ عميقة في أطراف بلدة غباغب. الأرض تهتز، والناس يهرعون مذعورين. صراخ يمتزج بأصوات المعاول والارتباك، والغبار يغطي الوجوه التي تحدق في المجهول.
في صباح السادس عشر من أيلول/ سبتمبر 2025، لا شيء يُرى سوى رمادٍ يتطاير فوق حفرة تجاوز عمقها ثلاثة عشر متراً. بعد ساعات طويلة من المحاولات، يُنتشل شاب واحد حيّاً، بينما تصعد ثلاث جثث من باطن الأرض. كانوا جميعاً يطاردون وهماً يُدعى “كنزاً مدفوناً”، قيل إن النار تكشفه.
لكن الحادثة التي هزّت البلدة الصغيرة لم تكن سوى فصل من حكاية أكبر، حكاية جيلٍ كامل في درعا يفتش عن الخلاص في بطن الأرض بعدما سُدّت أبواب الحياة فوقها. هنا، لا يُنقّب الشباب عن الذهب فقط، بل عن بصيص أملٍ يوقف النزيف الطويل، ولو بثمنٍ من التراب والموت.
اقرأ أيضاً: الأمن الداخلي يضبط أسلحة في درعا ومخدرات باللاذقية – 963+
من سقوط النظام إلى سقوط الأرواح
منذ انهيار النظام السوري في ديسمبر 2024، تدخل درعا مرحلة فراغٍ عميق. السلطة تتبخر، والضبط يتلاشى، والأرض تتحول إلى ما يشبه الخريطة الممزقة للحلم والدم.
الفراغ الأمني يفتح الباب على مصراعيه أمام موجة التنقيب العشوائي، حتى غدت الحقول والبساتين والمنازل القديمة شبكة من الحفر المفتوحة.
وبحسب توثيقات ناشطين محليين، قُتل سبعة أشخاص وأُصيب اثنان آخران بين ديسمبر 2024 والشهر ذاته 2025 في حوادث متصلة بالتنقيب. وهي: “في جباب ابتلعت الأرض شابين تجاوزت حفرتهما عشرين متراً، في المزيريب، انهارت التربة على منقّبين فدفنتهم أحياء. وفي اليادودة، انفجرت طلقة من مخلفات الحرب بيد شاب كان يحلم بالذهب. أما غباغب، فكانت آخر الفصول: ثلاث جثث من حفرة واحدة”. فكل حفرة في درعا لم تعد مجرد مكان، بل قبر مفتوح لأحلام جيلٍ يائس.
الجوع أقوى من التحذيرات
على أطراف مدينة نوى، يقف وليد أبو خالد (49 عاماً) وهو يحمل مجرفته كمن يحمل آخر أمل للحياة. يقول لـ”963+“: “البحث عن الآثار ليس خياراً سهلاً، لكنه وسيلة للبقاء. ما في عمل. وإذا لقيت ذهب، تقبر الفقر لولد الولد. نعم الحفر ربما يدمّر تاريخ المنطقة، لكن الجوع يدفعني ومئات غيري لهذا الطريق”.
وعلى خلاف وليد، لا يرى أبو يامن في الحفر مجرد مغامرة، بل مهنة اضطر إليها. يقول في حديثه لـ”963+”: “نحنا بسبب البطالة وقلة العمل توجهنا أنا ومجموعة من الشبان للحفر والتنقيب على بقايا أثرية أو عملة قديمة ذهب أو برونز. احنا بنحفر بالمواقع العسكرية التابعة للنظام الساقط. صحيح إنه النظام ما خلّى شي تحت الأرض، لكن لا يخلى الأمر من وجود قبور تركية أو رومانية أو يهودية”.
ويتابع وهو يروي اكتشافاته البسيطة: “صدفت معنا لقينا قطع صغيرة، منها ذهب، ومنها عملة قديمة، ومنها أنتيكا أثرية مثل إبريق فخار وخرز من الأحجار الكريمة. صحيح أسعارها عادية، بس كل ما يطلع معنا شي يعطينا تشجيع نكمل، لعل الله يقدر نطالع شي ينقذنا من الفقر”.
لكن الحفر ليس بلا ثمن، كما يضيف: “تعرضنا لعدة مواقف ردمت الحفر علينا، بس الحمد لله أجت سليمة. ونحنا ما بننزل كلنا بالحفرة، على طول في 2 أو 3 أشخاص بيكونوا خارج الحفرة عشان إذا صار شي نساعد بعض”.
ثم يفتح جرحاً آخر: “كل المواقع العسكرية السابقة كانت مكانات فيها ذهب كثير، النظام سرقوه كله. واحنا صغار كنا نشوف المروحيات تنزل على مكان الذهب تحمل وتطلع فيه. لوين يروحوا ما بنعرف، بس نعرف إنه محملين ذهب من المناطق الأثرية. والدليل إنه كل مكان أثري بريف درعا كان عليه أو جنبه قطعة عسكرية”.
كلمات أبو يامن تضيء بعداً جديداً فالحفر هنا ليس فقط بحثاً عن المال، بل أيضاً رد فعل سياسي على شعور بالنهب والظلم، كأن الجيل الجديد يحاول انتزاع ما سُرق منه يوماً ما.
اقرأ أيضاً: بعد اشتباكات عشائرية.. الأمن الداخلي يحظر التجوال بريف درعا – 963+
الخطر المزدوج: الإنسان والتراث
الناشط المحلي أحمد الحوراني يلخص المشهد بعبارة حادة: “كل حفرة في درعا اليوم تحمل وجهين للمأساة؛ وجه إنساني ووجه تراثي”.
ويشرح قائلاً لـ”963+“: “على المستوى الإنساني، نحن نخسر شباباً في مقتبل العمر، يخرجون للبحث عن لقمة عيش أو حلم بالثراء، لكنهم يعودون جثثاً. هؤلاء الشباب يتركون خلفهم أمهات مكلومات وأطفالاً بلا معيل، وكأن المقابر لم تكتفِ بما حصدته الحرب”.
أما على المستوى التراثي، فالكارثة لا تقل خطورة، كما يقول: “كل ضربة معول بلا وعي قد تدمّر طبقة أثرية كاملة أو تكسر جرة فخارية تختزن قصص حضارات عاشت هنا منذ آلاف السنين. قيمة القطع الأثرية ليست في وزنها الذهبي، بل في السياق الذي جاءت منه، في علاقتها بالمكان والزمن. عندما تُنتزع بلا دراسة، نفقد الخيط الذي يربطنا بتاريخنا، ونحوّل التراث إلى مجرد بضاعة تُباع في السوق السوداء”.
ويختم بحزن واضح: “الخطر مزدوج، شباب يُدفنون في الحفر، وتاريخ يُدفن معهم مرة أخرى. إنها مأساة مركبة، يضيع فيها الحاضر والمستقبل معاً، بينما تتحول الأرض إلى مقبرة للأحلام والذاكرة في آن واحد”.
الذاكرة تُدفن أيضاً
الباحث والمؤرخ نصال شرف يصف ما يحدث بأنه “اغتيال للذاكرة”، قائلاً لـ”963+“: “كل حجر يُنتزع بلا دراسة، وكل قطعة تُباع في السوق السوداء، يعني أننا نفقد فصلاً من تاريخنا. التنقيب العشوائي لا يقتل فقط أبناء درعا، بل يقتل ذاكرتها الممتدة لآلاف السنين. حين تختفي هذه الشواهد، فإننا نُحرم من فهم حاضرنا ومستقبلنا”.
ويضيف: “التنقيب العشوائي لا يسرق فقط القطع الأثرية، بل يدمر السياق التاريخي الذي يمكن من خلاله فهم هذه الحضارات. عندما تُفقد قطعة أثرية، نفقد معها جزءاً من هويتنا الجماعية وتاريخنا المشترك. المواقع في درعا، مثل بصرى الشام وتل الأشعري، هي شواهد على وجودنا وثقافتنا. تدميرها يعني تدمير جزء من الهوية السورية”.
ثم يوجه نداءً عاجلاً: “يجب إنشاء برامج دعم مجتمعية لتوعية السكان بأهمية هذه الكنوز وتأهيل المتضرر منها. كذلك، على الدول والمنظمات العالمية العمل على منع الاتجار بالآثار السورية المسروقة، واعتبارها مسؤولية جماعية تجاه التراث الإنساني”.
وفي الورق، تبدو القوانين صارمة. فـ المرسوم التشريعي رقم 222 لعام 1963 يمنح المديرية العامة للآثار والمتاحف وحدها حق التنقيب، ويعاقب المخالفين بالسجن حتى 15 عاماً وغرامات باهظة.
لكن في الواقع، القانون بلا أنياب. لا شرطة، ولا ضبط، ولا محاسبة. فحين تقع الكارثة، كما في غباغب، يكون الأهالي هم من يردمون الحفرة بأيديهم خوفاً من سقوط آخرين فيها، في مشهدٍ يلخص غياب الدولة بأكملها.
مطاردة السراب بثمن الحياة
بين فقرٍ مطبق وأساطير تُروى عن الكنوز، وبين شهادات منقّبين يحلمون بـ”قطع صغيرة” تمنحهم أملاً بالثراء، وبين قوانين عاجزة وغياب بدائل اقتصادية، تتعمّق ظاهرة التنقيب العشوائي كجرح مفتوح في جسد درعا.
هنا، يتحول الحلم بالذهب إلى كابوس جماعي: شباب يُدفنون في حفرهم، وذاكرة تُباع في السوق السوداء، وأرضٌ تُفرغ من تاريخها.كأن درعا اليوم تعيش مشهداً مأساوياً متكرراً: سراب يُغري، وحفرة تبتلع، وتاريخ يُمحى.
ويبقى السؤال معلقاً في الهواء: كم من الأرواح ستُزهق بعد؟ وكم من فصول التاريخ ستُدفن قبل أن تنتهي مطاردة هذا السراب؟










