عاد ملف دمج قوات سوريا الديموقراطية (قسد) في بنية الدولة السورية إلى الواجهة السياسية مجدداً، عقب تصريحات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أكد فيها أن أنقرة تتوقع التوصل إلى حل بين “قسد” والحكومة السورية الانتقالية بشأن الاندماج، مع الإشارة إلى أن المحادثات لا تزال جارية في دمشق، وأن ما تسعى إليه تركيا هو “اندماج فعلي وليس شكلياً”.
وقال فيدان، في مقابلة مع وكالة “رويترز” على هامش “منتدى الدوحة 2025″، إن سوريا تشكّل أولوية استراتيجية لتركيا، مشيراً إلى أن بلاده انتهجت منذ بداية الأزمة سياسة “الباب المفتوح”، واستقبلت ملايين اللاجئين السوريين.
وأضاف أن تركيا تؤكد في اتصالاتها مع الحكومة السورية دعمها لشعور جميع المكونات بالأمان والحرية، نافيًا وجود موقف عدائي تجاه أكراد سوريا.
وفي المقابل، شدد وزير الخارجية التركي على ضرورة “الخروج الفوري للعناصر الأجنبية من حزب العمال الكردستاني من سوريا”، معتبراً هذه الخطوة “بداية إيجابية” لأي تقدم سياسي أو أمني. كما حمّل إسرائيل مسؤولية عرقلة جهود إعادة توحيد سوريا، واصفاً سياساتها في البلاد بـ”المزعزعة للاستقرار”.
ضغوط تركية ورعاية أميركية
يصف د. كمان اللبواني، السياسي السوري المقيم في السويد، تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنها “مطالب مرفقة بالتهديد أكثر من كونها مؤشراً على تحوّل سياسي حقيقي”.
ويؤكد اللبواني في تصريحات لـ”963+” أن “قسد” لن تندمج بشكل مباشر في الدولة السورية الجديدة، وتحظى بدعم دول تسعى، بحسب وصفه، إلى “إبقاء شرق الفرات ورقة ضغط على تركيا”.
يقول زارا صالح، باحث دراسات السلام وحل النزاعات في بريطانيا، لـ”963+” إن تصريحات فيدان تندرج ضمن سياسة ضغط تركية مباشرة على “قسد”، بفعل النفوذ التركي الكبير على السلطة المؤقتة في دمشق، بهدف فرض اندماج وفق الرؤية التركية.
ويعتبر أن أنقرة تسعى إلى تفكيك “قسد” ودمج عناصرها كأفراد داخل فصائل مسلحة لا تشكل جيشاً بالمعنى النظامي، مؤكدة أن “قسد” قوة مدرَّبة ومنظمة وشريك لنحو 89 دولة ضمن التحالف الدولي ضد “داعش”، ولا يمكن التعامل معها كوحدة مفككة.
ويرى اللبواني أن اتفاق آذار/مارس، الذي قال إن الولايات المتحدة دفعت “قسد” والرئيس الانتقالي أحمد الشرع للتوقيع عليه كحل وسط، “وُلد ميتاً”، مشيراً إلى أن جميع الأطراف تحاول التنصل منه، من القوميين المتشددين إلى المتعصبين الأتراك والدينيين، مع تقاطع مصالحهم على بقاء حالة التوتر دون مواجهة عسكرية شاملة.
ويرجح صالح أن أي دمج محتمل سيكون برعاية أميركية وعلى شكل كتل داخل أجهزة أمنية مختصة، مع قيادة “قسد” لملفات مكافحة الإرهاب بسبب ثقة واشنطن بها، مقابل دور استشاري محدود للفصائل الأخرى.
ويضيف أن الولايات المتحدة ستضغط للإبقاء على “قسد” كقوة موحدة لما تمثله من عامل توازن سياسي وأمني في المعادلة السورية.
ويختم بالقول إن موقف أنقرة من دمج “قسد” ليس هاجساً أمنياً بقدر ما هو امتداد لما وصفته بـ”الفوبيا الوجودية التاريخية تجاه الاستحقاق الكردي”، معتبرة أن أي مكسب كردي في سوريا يُنظر إليه تركياً بوصفه تهديداً داخلياً محتملاً، وهو ما يفسر محاولات أنقرة المستمرة لإفشاله عبر الضغط على دمشق و”قسد”.
بدوره يشير اللبواني إلى أن المشهد مرشح لحالة “مراوحة وكسب وقت”، حيث تستفيد الأطراف المختلفة من استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، معتبراً أن “قسد” وتركيا من أبرز المستفيدين؛ الأولى من خلال ترسيخ نفوذها، والثانية عبر تبرير وجودها العسكري في سوريا وتشديد القبضة على الأحزاب الكردية في الداخل التركي، فيما رأى أن الحكومة في دمشق “لا ترغب بشراكة حقيقية” وتسعى إلى نموذج “المجتمع المنسجم”.
ويختم اللبواني بالقول إن المرحلة القادمة ستشهد “جعجعة إعلامية عالية دون تغيّر فعلي على الأرض”، مؤكداً أن لا طرف مستعد لحرب شاملة أو سلام حقيقي، وهو وضع “يخدم إسرائيل التي استثمرت طويلاً في الورقة الكردية”، على حد تعبيره.
الإدارة الذاتية: دعوة مفتوحة للحوار والسلام
بالتوازي مع التصريحات التركية، أعلنت الرئيسة المشاركة لهيئة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، إلهام أحمد، رغبة الإدارة في بدء حوار مباشر مع تركيا، وذلك خلال مشاركتها عبر تقنية الفيديو في المؤتمر الدولي للسلام والمجتمع الديموقراطي المنعقد في مدينة إسطنبول، برعاية حزب المساواة وديموقراطية الشعوب.
وأكدت أحمد أن الإدارة الذاتية ترفض الحرب واستخدام السلاح، وتتبنى خيار السلام والحياة الديمقراطية التشاركية، داعية جميع الأطراف إلى العمل الجاد لتحقيق الاستقرار. ووصفت المؤتمر بأنه “خطوة أساسية ونبيلة”، مشيرة إلى أن قضايا السلام أصبحت مطروحة بجدية داخل تركيا، مع تسليطها الضوء على الدور الذي يؤديه زعيم “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان، رغم العزلة المفروضة عليه.
وأعربت أحمد عن رغبتها في المشاركة شخصياً في المؤتمر، لكنها أوضحت أن وجود عوائق حالية يحول دون ذلك، داعية إلى تجاوز هذه العقبات لضمان استمرارية عملية السلام بشكل “صحيح ودائم”، بما يحقق الاستقرار في سوريا وتركيا على حد سواء.
كما شددت على أن بناء سوريا جديدة لا يمكن أن يتم إلا في إطار دولة قانون وعدالة، تضمن الديمقراطية وحرية المعتقد وحقوق جميع المكونات، معتبرة أن أي استقرار في سوريا سينعكس تلقائياً بشكل إيجابي على تركيا والمنطقة.
نموذج مزدوج للاندماج
في السياق نفسه، كشف أوجلان عن مقترح لآلية دمج قوات “قسد” ضمن الجيش السوري، يقوم على تقسيمها إلى قوتين: الأولى تندمج في الجيش المركزي، والثانية تضطلع بمهام الأمن المحلي في مناطق شمال وشرق سوريا.
ونقلت عضو حزب “الديموقراطيين” التركي كولستان كيليش كوتشيجيت عن أوجلان حديثه خلال لقائه وفداً برلمانياً تركياً في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ضم ممثلين عن أحزاب “العدالة والتنمية” و”الحركة القومية” و”الديموقراطيين”، وفق ما أورده موقع “T24” التركي.
وأشار أوجلان إلى ضرورة إقامة نظام ديموقراطي يسمح بمشاركة جميع المكونات السورية وفق هوياتها الخاصة، محذراً من أن “قسد لن تكون جزءاً من أي حكومة تعيد إنتاج الدكتاتورية”.
بين الاندماج الدستوري والكيان الهش
يقول الكاتب والمحلل السياسي عمرو حسين في تصريحات لـ”963+” إن التصريحات التركية، إلى جانب تكرار طرح أوجلان لمسألة دمج “قسد”، تعيد فتح ملف حساس يتعلق بمستقبل الدولة السورية وشكل التسوية السياسية المقبلة.
ويضيف أن دمج “قسد” دستورياً يمكن تفسيره باتجاهين متناقضين: الأول يتمثل بإعادة توحيد المؤسسة العسكرية تحت سلطة مركزية واحدة، والثاني قد يؤدي إلى إنتاج ازدواجية سلطة مقنعة تحت غطاء قانوني، بما يشبه “الحكم الذاتي الأمني”.
ويشير حسين إلى أن اتفاق آذار/مارس لا يزال اتفاقاً سياسياً أكثر منه وثيقة دستورية مُلزمة، إذ يفتقر إلى ضمانات واضحة بشأن توزيع السلطات وآليات المشاركة وحدود تمثيل القوى العسكرية داخل الدولة، واصفاً إياه بـ”تفاهم ضرورة” قابل للتبدد بتغير موازين القوى.
ويوضح أن الحديث عن اللامركزية يصطدم بتحدٍ قانوني يتمثل في رسم خط فاصل بين “الإدارة المحلية الموسعة” و”الحكم الذاتي المقنع”، محذراً من تحويل الهياكل الإدارية إلى كيان سياسي مستقل فعلياً دون إعلان رسمي.
ويؤكد أن أي معالجة دستورية تتطلب تحديد صلاحيات دقيقة، وآليات رقابة مركزية صارمة، وتبعية واضحة للأجهزة الأمنية.
“مسد”: اتفاق آذار مسار وطني للاستقرار
من جهته، قال الرئيس المشارك لمجلس سوريا الديموقراطية (مسد) محمود المسلط إن أي محاولة لإعادة إنتاج الدولة المركزية التي همّشت المكونات السورية “لن تلقى قبولاً”. وأكد التزام “مسد” بمشروع سوريا الديموقراطية اللامركزية التي تمثل جميع السوريين دون إقصاء.
وأوضح المسلط، في تصريحات نقلها الموقع الرسمي للمجلس، أن سوريا تمر بمرحلة دقيقة من إعادة البناء، مشدداً على الانفتاح على الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية بما يصون وحدة البلاد ويمنع الانقسام. واعتبر أن اتفاق 10 آذار/مارس يشكل مساراً وطنياً لتحقيق الاستقرار، داعياً إلى تعزيز الحوار السوري–السوري كمدخل وحيد للحل.
كما شدد على أهمية المصالحة الوطنية الشاملة، وصون حقوق جميع المكونات، وتعزيز مشاركة الأهالي في صنع القرار، مؤكداً أن الحلول الوطنية تبدأ بصياغة دستور جديد ينطلق من تمثيل عادل وشراكة سياسية حقيقية.










