في صباح دافئ في سوق الجزماتية بدمشق، يقف العم سعيد خلف بسطة لا تتجاوز مترين، يصطف فوقها صناديق بلاستيكية مليئة بالنعنع والبقدونس والخس وبعض الفواكه الموسمية، يقول بعبارة بسيطة ومعبرة: “رجعت أحس إني عندي مصلحة.. حتى لو بسيطة”.
وكان سعيد قبل سنوات يملك ورشة نجارة في داريا، لكن الحرب والدمار أخذت كل شيء: المحل، المعدات، وحتى حلم الاستقرار. بعد أن فقد كل شيء، بدأ مشروعه الحالي برأس مال بسيط لم يتجاوز مئتي دولار، اشترى به بضاعته من سوق الهال، لتصبح هذه البسطة الصغيرة مصدر رزقه الأساسي.
يقول سعيد بابتسامة تعبق بالأمل، لـ”963+“: “كل يوم عندي سبب لأكمل شغلي”. علاقاته الجيدة مع أصحاب المحال التجارية حولت البسطة إلى أداة بقاء؛ فالمحلات تحذره مسبقًا إذا كانت هناك دوريات بلدية قريبة، ما يمنحه فرصة لتغطية بضاعته أو تخبئتها.
قصة سعيد ليست حالة فردية، بل انعكاس لتحول كبير شهده السوريون بعد سنوات من النزوح والدمار. من أصحاب ورش ومحال كبيرة إلى مشاريع صغيرة وبسطات متنقلة، أصبح العديد من السوريين يعتمد على هذه المشاريع كمصدر دخل ثابت، رغم التحديات اليومية والبيئة الاقتصادية الصعبة.
وبعد سنوات من النزوح والدمار، وجد الكثير من الأهالي أنفسهم أمام تحديات اقتصادية كبيرة، خصوصًا مع عودة المئات من اللاجئين والمهجرين إلى مدنهم وقراهم. الأسواق التجارية والمصانع تعرضت للدمار، مما أدى إلى غياب بيئة مناسبة للعمل.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت الإيجارات وتكاليف المعيشة، مما دفع عدداً من الشباب والنساء إلى إطلاق مشاريعهم الصغيرة، سواء من منازلهم أو على الأرصفة، سعياً لتأمين مصدر دخل مستدام.
وفي دمشق وريفها، تنتشر على الشوارع وفي الأسواق الشعبية البسطات الصغيرة والمحال المتواضعة، التي لم تعد مجرد مشاهد عابرة، بل أصبحت عنوانًا لاقتصاد جديد فرضته الحاجة. وسط الغلاء وتراجع فرص العمل، تحوّلت المشاريع الصغيرة إلى وسيلة للبقاء وأمل بحياة اقتصادية أكثر استقلالًا، مجسدة روح الصمود والابتكار الفردي في مواجهة الأزمات.
اقرأ أيضاً: المفصولون بعد الثورة.. العدالة المؤجلة تُقلق الشارع السوري – 963+
مهن التوصيل: “ميتور كهربا”
في معضمية الشام، اختار مهند، شاب في العشرينات، طريقاً مختلفاً. بعد عودته من مصر، قرر الاستثمار في خدمة التوصيل داخل بلدته مستخدماً دراجة كهربائية اشتراها بـ600 دولار فقط.
يقول مهند لـ”963+“: “عرضت خدمتي على المحلات، أوصل الطلبات بدل ما يتركوا شغلهم… وبالفعل صار عندي زبائن ثابتين”. ميزة مشروعه أن تكلفة التشغيل شبه معدومة لغياب الوقود، كما أن الفكرة لاقت رواجا سريعاً في مناطق ريف دمشق التي تعاني من نقص الخدمات والمواصلات المنظمة.
ويشير مهند إلى أن الفكرة انتشرت مع عودة المغتربين الذين تعرّفوا على أنماط العمل الجديدة في الخارج، مضيفاً أنه اضطر لترك مصر فور سقوط النظام بسبب عدم قدرته على تجديد أوراق إقامته، وأن معظم ما جناه خلال سنوات غربة دفعه على تكاليف العودة. ورغم ذلك، يحاول الشاب أن يحقق استقلاله المالي، ويعتبر مشروعه وسيلة للحفاظ على كرامته ووجوده في المجتمع المحلي.
ورشة المنظفات المنزلية
في حي برزة بدمشق، تدير سمر الحسن ورشة صغيرة لصناعة المنظفات في منزلها. بدأت قبل حوالي عام برأس مال نحو 400 دولار، واشترت معدات بسيطة لصناعة سائل الجلي والمعقمات وبيعها للجيران والمحال المحلية.
تقول سمر، التي ورثت مهارتها عن جدتها، لـ”963+” إن مشروعها تأثر بعد سقوط النظام، مع تحول السوق إلى سوق مفتوحة ووفرة البضائع، ما زاد من المنافسة على السعر.
وأصبح هامش الربح اليوم محدوداً بسبب صعوبة الوصول إلى زبائن جدد وتقلب الأسعار اليومية، لكنها مستمرة في مشروعها اليومي، محاولة الحفاظ على دخل ثابت والتكيف مع السوق الجديد المزدحم بالمنتجات والباعة. تقول سمر: “المشروع صعب، لكن الاستمرارية تعطيك شعوراً بأنك ما زلت قادرة على مواجهة الظروف”.
تجارة إلكترونية من المنزل
في حي كفرسوسة بدمشق، حولت سناء، والدة لثلاثة أطفال، شغفها بصناعة الزينة والتحف المنزلية إلى متجر إلكتروني تديره من منزلها.
وبرأس مال 100 دولار، اشترت أوراقاً ولواصق وألوان لصناعة زينة الاحتفالات، وصوّرت منتجاتها ونشرتها على “فيسبوك” و”إنستغرام”. تقول سناء لـ”963+“: “أول شهرين كانوا صعبين، بس بعدها صار في طلبات من مناطق مختلفة”.
وأحد أكبر التحديات بالنسبة لها كان تأمين خدمة توصيل موثوقة، لكنها تفضل العمل من المنزل حيث يمكنها رعاية أطفالها وتجنب تكاليف الإيجار الإضافية. مشروع سناء يعكس قدرة السوريين على التكيف مع واقع اقتصادي محدود، واستثمار المهارات الشخصية لتأمين مصدر دخل ثابت، حتى في ظل ظروف صعبة.
اقرأ أيضاً: نساء الحارة السورية القديمة… ذاكرة من طين وياسمين – 963+
من النزوح إلى بسطة القهوة
عمر، 35 عاماً، عاد إلى حي القدم جنوب دمشق مطلع العام الحالي بلا عمل ولا رأس مال كافٍ لافتتاح محل تجاري، فاشترى عربة صغيرة وماكينة قهوة مستعملة، وبدأ بيع القهوة السريعة في الشوارع القريبة من كراجات النقل.
يقول عمر: “كنت أبحث عن فكرة بسيطة ومربحة، القهوة مشروع محبوب، وكل الناس تشربها، فكانت البداية من هون”.
وفي ضاحية قدسيا، يدير باسل شهاب كشكاً صغيراً يقدم القهوة والعصائر، مستثمراً 900 دولار في البداية.
يقول باسل لـ”963+“: “الطلب يومي، والمشروع بسيط بس مربح. أرباحي جيدة، رغم انقطاع الكهرباء أحيانًا واضطراري لاستخدام مولد صغير”.
ورغم الإقبال الكبير على هذه المشاريع، يواجه أصحابها صعوبات يومية مثل ارتفاع إيجارات الأرصفة، ملاحقة الدوريات البلدية، وتقلبات الطقس التي تؤثر على البيع في الشوارع.
صراف جوال في دمشق
ياسين علي، 44 عاماً، بدأ عمله بعد سقوط النظام المخلوع، عندما انتشرت طاولات ومحال الصرافة بشكل كبير.
يقول علي لـ”963+” إنه مع تنظيم الحكومة الجديدة للسوق وترخيص الشركات، اضطر لتحويل طاولته إلى حقيبة كتف متنقلة، ويتوقف قرب مراكز تجارية كبيرة لتلبية حاجات الزبائن بسرعة.
ويعتمد علي، على مصداقيته بين الناس، ويحدد الأسعار بعناية لجذب العملاء. ويتعامل بتصريف الدولار والليرة السورية، وأحيانًا الليرة التركية للوافدين من إدلب وحلب، مع الأخذ بالاعتبار المخاطر مثل التعامل بقطع مزورة. “الواحد لازم يكون صاحي دايماً ويحسب صح”، يقول علي.
ومن بسطة نعنع إلى دراجة توصيل، ومن ورشة منزلية إلى متجر إلكتروني، ومن بسطة قهوة إلى صراف جوال متنقل، تجسد هذه المشاريع الصغيرة روح الصمود والابتكار الفردي في مواجهة أزمات سوريا الاقتصادية. إنها قصص خسارة وتحول، قصص تحدٍ وإبداع، تبين كيف يحول السوريون الخسارة إلى فرصة، والدمار إلى أمل، وكيف تمكنوا من بناء اقتصاد صغير مستدام، رغم كل الصعاب والظروف المتقلبة.
وسط هذه المشاريع المتنوعة، يمكن رؤية صورة واضحة لسوريا ما بعد النزوح: مجتمع يحاول استعادة توازنه الاقتصادي والاجتماعي، أفراد يسعون للحفاظ على كرامتهم، وأمل متجدد في حياة أكثر استقلالًا، من خلال إرادة صلبة ورغبة في الاستمرار رغم كل الظروف.










