في زمن تتسارع فيه التغيّرات الاجتماعية وتتشابك فيه التحديات الاقتصادية والثقافية، تجد المرأة نفسها في مركز دوامةٍ لا تهدأ. فبين متطلبات الحياة اليومية، وضغط الأدوار المتعددة، وصور الكمال التي تفرضها وسائل التواصل، تصبح الصحة النفسية واحدة من أكثر الجوانب هشاشة في حياة النساء. وفي محاولة لفهم هذا الواقع المركّب، تفتح لنا مدربة الحياة سوسن سلماوي ومدربة التنمية البشرية غالية البغدادي نافذة واسعة على ما تعيشه المرأة اليوم، بين قوتها الظاهرة ومشاعر الإنهاك الخفي.
واقعٌ متناقض
ترى سوسن سلماوي أنّ الواقع الذي تحياه المرأة اليوم “معقّد ومتناقض”؛ فالفرص المهنية والتعليمية أكبر ممّا مضى، وحضور المرأة في المجال العام في اتساع مستمر، لكنّ الضغوط التي ترافق هذا التقدّم تتصاعد معها بنفس القدر.
وتقول لـ”963+”: “المرأة اليوم تنجز أكثر، لكنها مطالبة أيضاً بإثبات جدارتها أكثر، وبأداء أدوار متشابكة في وقت واحد، بين العمل والمنزل والأمومة والعلاقات الاجتماعية”.
هذا التناقض يخلق شعوراً دائماً بالمسؤولية المفرطة والخوف من التقصير، ويحوّل الإنجاز في كثير من الأحيان إلى عبء بدل أن يكون مصدر قوة.
ضغوط تختلف باختلاف العمر والمكان
تشرح سلماوي أنّ الضغوط التي تواجهها المرأة ليست واحدة، بل تتبدل تبعاً للمرحلة العمرية والبيئة الاجتماعية والاقتصادية. فالشابات يواجهن ضغوطاً تتعلق بالمظهر، والتوقعات المهنية، وصورة الذات التي تتشكل عبر المقارنة المستمرة. أما النساء في منتصف العمر، فيواجهن تحديات أكثر تعقيداً: موازنة العمل مع رعاية الأطفال والآباء، والأعباء المنزلية، وضيق الوقت.
وتضيف أن الطبقات الاجتماعية الدنيا تواجه ضغطاً مضاعفاً بسبب ضعف الخدمات والدعم، بينما تختلف الضغوط في الريف عنها في المدن، حيث يغلب الطابع التقليدي في الأولى، ويتفاقم ضغط السرعة والمنافسة في الثانية.
عبء الأدوار المتعددة.. قوة أم استنزاف؟
تكشف سلماوي أن تعدد الأدوار قد يمنح بعض النساء شعوراً بالرضا والإنجاز، ولكنه غالباً يتحول إلى مصدر إرهاق عندما يغيب الدعم. وتقول: “المرأة قد تؤدي عشرة أدوار في اليوم الواحد. المشكلة ليست في الأدوار بحد ذاتها، بل في غياب من يشاركها الحمل”.
وتشير إلى أن أكثر الآثار شيوعاً لهذا الإرهاق هي القلق، اضطرابات النوم، التوتر المزمن، وضعف الروابط الاجتماعية نتيجة انعدام الوقت. وتؤكد أنّ حصول المرأة على دعم من الشريك أو الأسرة، ووجود مؤسسات عمل مرنة، قد يغيّر الصورة بالكامل.
صورة المرأة المثالية.. عبء آخر فوق الأعباء
تسلّط سلماوي الضوء على أثر “الصورة المثالية” التي تُفرض على النساء: جسد بلا عيوب، أمومة مثالية، نجاح مهني متواصل، وهدوء عاطفي دائم. وتقول: “هذه المعايير غير واقعية، لكنها تتحوّل إلى مقياس صارم في ذهن المرأة، فيجعلها تشعر أنها مقصّرة مهما بذلت من جهد”.
ومع انتشار وسائل التواصل، أصبحت المقارنة فورية ومستمرة؛ ما يؤدي إلى تآكل الثقة بالنفس والشعور بالذنب لدى الكثير من النساء.
ضغوط مضاعفة في عالمٍ لا يرحم
من جهتها، ترى غالية البغدادي أن الضغوط النفسية التي تعيشها المرأة العربية اليوم تتجاوز حدود العمل والمنزل، وتتغلغل في كل تفاصيل الحياة، خصوصاً في المجتمعات التي مرّت بأزمات طويلة كالحروب والتهجير.
وتقول لـ”963+”: “معظم النساء يواجهن تحديات مركّبة: ضغوط مهنية، مسؤوليات أسرية، أعباء اقتصادية، وأحياناً أشكالاً من العنف… كل هذا يترك آثاراً نفسية عميقة كالاكتئاب والقلق”.
وتعتبر أن المرأة العاملة تعيش ضغطاً مضاعفاً مقارنة بربة المنزل، لأنها تواجه المجتمع خارج البيت، وتُطالب في الوقت نفسه بالقيام بكامل واجباتها داخله. ومع غياب التقدير، تتحول هذه المسؤوليات إلى إرهاق شديد يظهر في شكل عصبية، تشتت، أو بحث متكرر عن جلسات علاج نفسي أو استرخاء.
نجاح المرأة ليس قصة سهلة.. وراء كل إنجاز معارك صامتة
تشدد البغدادي على أن نجاح النساء في العالم العربي لا يجب أن يُنظر إليه كأمر عادي أو تحصيل حاصل.
وتقول: “نرى نساء ناجحات، لكن لا نرى الثمن الذي دفعنه للوصول إلى ما هنّ عليه. خلف كل إنجاز قصص تعب ومقاومة وضغط نفسي كبير”.
وترى أنّ الاعتراف بهذا الجانب ضروري لتقدير الجهد الحقيقي الذي تبذله النساء يومياً.
وتتفق سلماوي والبغدادي على أنّ وسائل التواصل أصبحت أحد أكبر مصادر الضغط النفسي. فالصورة المفلترة للنجاح والجمال صارت معياراً عاماً، تُقاس عليه المرأة اليومية، بل وتُحاسب وفقه.
تقول البغدادي: “الميديا وضعت المرأة في إطار واحد. شكل مثالي، حياة مثالية، نجاح مثالي… بينما الواقع مختلف تماماً. 95٪ مما نراه على السوشال ميديا هو وهم”.
وترى أن هذا الوهم يجعل المرأة تركض نحو “الكمال”، سواء في بيتها أو عملها أو مظهرها، فتعيش حالة من عدم الرضا المستمر.
ومع هذا الكم من الضغوط، تصل المرأة في كثير من الأحيان إلى مرحلة الإنهاك الكامل. تقول البغدادي: “تصبح المرأة مشتتة، بلا تركيز، وتشعر بالملل وانعدام الأمل.. لأن المجتمع يفرض عليها أن تكون الأولى في كل شيء، وأن تكون مثالية في كل شيء”.
وتضيف أن الحل يبدأ من الداخل: “على المرأة أن تقتنع بنفسها، أن تتصالح مع قدراتها، وأن تفهم أن الكمال ليس هدفاً ولا واقعاً”.
العطاء المتبادل.. أساس الصحة النفسية داخل الأسرة
ترى غالية أن المرأة تُستنزف عندما تعطي دون أن تتلقى مقابلاً عاطفياً أو عملياً، سواء من شريك الحياة أو المحيط. وتوضح: “أي عطاء بلا مقابل يستنزف طاقة المرأة من الداخل، ويجعلها غير قادرة على العطاء لا لنفسها ولا لعائلتها”.
وتشير إلى خطورة أن تعود المرأة منهكة إلى بيتها بحيث لا تجد طاقة لتسمع أولادها أو تتواصل معهم. وتوصي بأن تمنح الأم نفسها استراحة قصيرة عند العودة إلى المنزل، قبل بدء التواصل العاطفي مع أسرتها.
تلاحظ البغدادي أن النساء أصبحن أكثر جرأة في طلب المساعدة النفسية، خلافاً لما كان عليه الحال قبل سنوات. وتقول: “اليوم المرأة تبحث عن حل، لا عن دواء فقط. وتلجأ للمتخصص لأنها تدرك أن من هم داخل مشكلتها قد لا يرون الصورة بوضوح”. وهذا التغيير، بحسبها، خطوة مهمة في كسر وصمة المرض النفسي.
تتفق سلماوي والبغدادي على أنّ حماية الصحة النفسية تبدأ من خطوات صغيرة لكنها فعّالة، منها: نصف ساعة يومياً للراحة أو القهوة أو المشي، تحديد الأولويات والحدود بوضوح، التوقف عن مقارنة الذات بغيرها، طلب الدعم عند الحاجة، سواء من الأسرة أو المختصين، الإيمان بأن المشكلات جزء طبيعي من الحياة، وأن السعي نحو الكمال وهم يستنزف الروح.
وتختتم سوسن سلماوي رسالتها بقولها: “أنتِ لستِ مطالبة بأن تكوني مثالية، ولا بأن تلبي كل توقعات المجتمع. رعاية نفسكِ ليست رفاهية، بل شرط أساسي لتستمري بقوتك وحضورك”.
أما غالية البغدادي فتقول: “الحياة ليست مثالية، والضغط لن ينتهي، لكن قدرتكِ على تصغير المشاكل والتركيز على ذاتك تجعل الطريق أخفّ. أحبي نفسك، دلّليها، وامنحيها وقتاً… فهذا حقّكِ وليس امتيازاً”.










