تشكل زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق محطة سياسية وديبلوماسية بارزة في مسار العلاقة بين سوريا والأمم المتحدة، إذ تعد الأولى له منذ توليه منصب الأمين العام، كما تأتي في توقيت يصفه مسؤولون أمميون بأنه مفصلي بالنسبة لمستقبل البلاد، بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا منذ سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر 2024.
ويجري غوتيريش خلال الزيارة مباحثات مع الرئيس أحمد الشرع وعدد من كبار المسؤولين في الحكومة السورية، إضافة إلى لقاءات مع ممثلين عن المجتمع المدني والمنظمات النسائية، كما سيزور قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف) في الجولان.
وتنظر الأوساط السياسية إلى الزيارة بوصفها أكثر من مجرد لقاء بروتوكولي، إذ تعكس مستوى متقدماً من التواصل بين دمشق والأمم المتحدة بعد أشهر من إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وبدء مرحلة جديدة من الانفتاح الديبلوماسي، كما تأتي في ظل تأكيدات أممية متكررة على ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
ومنذ سقوط النظام، دخلت العلاقة بين الأمم المتحدة والحكومة السورية مرحلة مختلفة اتسمت بتكثيف الاتصالات السياسية والفنية، ففي الأسابيع الأولى من تشكيل الحكومة الانتقالية، أرسلت الأمم المتحدة وفوداً متخصصة لمناقشة استمرار العمليات الإنسانية وآليات إيصال المساعدات، بالتوازي مع بدء حوار سياسي ركز على احتياجات مرحلة التعافي وإعادة بناء المؤسسات العامة.
وشهدت الأشهر التالية سلسلة لقاءات بين مسؤولين أمميين وقيادات الحكومة السورية تناولت ملفات الإغاثة وعودة النازحين واللاجئين وإزالة العقبات أمام وصول المساعدات الإنسانية، إضافة إلى دعم برامج التعافي المبكر وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية، بما في ذلك قطاعات الصحة والتعليم والمياه والكهرباء.
دلالات سياسية مهمة
يقول الدكتور إياس الخطيب، الخبير في العلاقات الدولية، لـ”963+” إن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى سوريا تحمل دلالات سياسية مهمة، لكنها تأتي في ظل واقع معقد ما تزال فيه البلاد ساحة لتقاطعات إقليمية ودولية، إلى جانب وجود ملفات عديدة لم تجد طريقها إلى الحل، محذراً من أن بعض هذه الملفات قد يتحول إلى بؤر توتر جديدة إذا لم تتم معالجتها بصورة جدية.
ويضيف الخطيب أن الاهتمام الدولي بسوريا ظهر بوضوح عقب سقوط النظام، عندما سارعت وفود ومسؤولون من دول إقليمية ودولية إلى دمشق، معتبراً أن ذلك يعكس الأهمية الجيوسياسية والجيوستراتيجية التي تتمتع بها سوريا، وما تمثله من أهمية في حسابات القوى الدولية والإقليمية.
ويشير إلى أن الحكومة كان يفترض أن تبدأ بتحديد أولوياتها الداخلية قبل صياغة سياساتها الخارجية، إلا أنها، بحسب رأيه، لم تنجح في تحقيق ذلك، الأمر الذي جعل سوريا تبقى ساحة مفتوحة للتجاذبات والصراعات الخارجية.
وحول الرسائل السياسية لزيارة غوتيريش، يوضح الخطيب أنه إذا انطلقت القراءة من حسن النوايا والرغبة الدولية في دعم سوريا، فإن الوقائع على الأرض، بحسب تقديره، لا تظهر نتائج ملموسة حتى الآن، مرجعاً ذلك إلى تراجع قدرة المؤسسات والمنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، على التأثير في مسار الأزمات الدولية، في ظل ما وصفه بتغير موازين القوة في النظام الدولي.
وينوه إلى أن الأمم المتحدة، من وجهة نظره، لم تتمكن خلال السنوات الماضية من إنهاء العديد من النزاعات أو وقف الحروب، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، كما لم تستطع منع وقوع المجازر أو إطلاق مشاريع تنموية كبرى أسهمت في إخراج دول تعاني النزاعات من أزماتها.
وفيما يتعلق بإمكانية خروج الزيارة بنتائج عملية، يشدد الخطيب على أن تحقيق تقدم حقيقي يتطلب وجود بيئة داخلية مستقرة وقادرة على استيعاب أي دعم دولي، معتبراً أن الخطابات السياسية وحدها لا تكفي لإحداث تغيير على أرض الواقع.
ويضيف أن الحكومة السورية تؤكد في تصريحاتها أن البلاد تتجه نحو الاستقرار ووحدة الأراضي، إلا أنه يرى أن الواقع يختلف بين منطقة وأخرى، مشيراً إلى أن الظروف الأمنية والسياسية ليست متشابهة في مختلف المحافظات، وأن هذا التباين ينعكس على تقييم الوفود الدولية التي تزور سوريا.
كما يشير إلى أن عدداً من الدول أعلنت في فترات سابقة اهتمامها بالاستثمار في سوريا، إلا أن كثيراً من تلك الوعود لم يتحول إلى مشاريع فعلية، معتبراً أن غياب بيئة مستقرة ومؤسسات قادرة على توفير الضمانات اللازمة يشكل أحد أبرز أسباب تردد المستثمرين.
ويؤكد الخطيب أن بناء الدولة يبدأ من الداخل، عبر ترسيخ الاستقرار وتعزيز عمل المؤسسات وتحقيق التوافق الوطني، قبل الانطلاق نحو توسيع العلاقات الخارجية وجذب الاستثمارات، معتبراً أن نجاح أي مبادرة دولية مرتبط بوجود بيئة داخلية مستقرة وقادرة على استثمار هذا الدعم.
ويختتم الخطيب بالقول إن الزيارات الدولية، مهما بلغت أهميتها السياسية، لن تحقق نتائج ملموسة ما لم تترافق مع إصلاحات داخلية ومشاريع اقتصادية وتنموية تنعكس بصورة مباشرة على حياة السوريين، مؤكداً أن معالجة تحديات الفقر والبطالة وتحسين الأوضاع المعيشية تبقى من أبرز الأولويات خلال المرحلة المقبلة.
توقيت شديد الحساسية
يقول الصحفي وليد الزعل، المقيم في فرنسا لـ”963+” إن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا تكتسب أهمية سياسية خاصة، كونها الأولى لأمين عام الأمم المتحدة إلى دمشق منذ عام 2009، موضحاً أنها ليست اللقاء الأول الذي يجمع غوتيريش بالرئيس أحمد الشرع، إذ سبق أن التقيا على هامش القمة العالمية للمناخ في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
ويضيف الزعل أن الزيارة تأتي في توقيت إقليمي شديد الحساسية، ويمكن النظر إليها على أنها محاولة لتحييد الساحة السورية عن تداعيات الصراع الأميركي الإيراني المتصاعد في الشرق الأوسط، من خلال توفير غطاء سياسي دولي يعزز استقرار الدولة السورية خلال المرحلة الانتقالية، ويحد من احتمالات تحول الأراضي السورية مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو امتداد مباشر للمواجهة بين واشنطن وطهران.
ويشير إلى أن التطورات الإقليمية، ولا سيما التوتر مع إيران وحلفائها، تجعل من ملف مراقبة الحدود والمنطقة العازلة في الجنوب السوري قضية بالغة الحساسية، بهدف تجنب أي احتكاكات أو سوء تقدير قد يؤدي إلى فتح جبهات جديدة، سواء على الحدود السورية أو في محيطها.
وحول النتائج المتوقعة للزيارة، يوضح الزعل أن أبرز الملفات التي قد تشهد تقدماً تتمثل في زيادة الدعم الإغاثي والإنساني المقدم لسوريا، إلى جانب تفعيل برامج التعافي المبكر وإعادة الإعمار، بما يسهم في تهيئة الظروف المناسبة لعودة اللاجئين والنازحين، فضلا عن تعزيز دور المنظمات الإنسانية والإغاثية المحلية في مختلف المحافظات السورية من خلال توسيع برامج الدعم المخصصة لها.
وينوه إلى أن الملف العسكري، ولا سيما ما يتعلق بالتوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، سيحضر أيضاً على جدول أعمال الزيارة، خاصة مع توجه غوتيريش لزيارة قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان.
ويشدد الزعل على أن الأمم المتحدة والأمين العام لا يملكان صلاحيات تتيح إجبار إسرائيل على الانسحاب الفوري من المناطق التي توغلت فيها في الجنوب السوري، نظراً لطبيعة عمل المنظمة الدولية وآليات اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن، والتي تعتمد على توافق الدول الأعضاء وتخضع لتعقيدات سياسية وديبلوماسية.
ويؤكد أن الحكومة السورية يمكنها استثمار هذه الزيارة كورقة ضغط سياسية وديبلوماسية لإعادة طرح ملف الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري على جدول أعمال المجتمع الدولي، بما يمنح دمشق دعماً أممياً يعزز موقفها الرافض لتلك التوغلات، ويسهم في إبقاء القضية ضمن أولويات الأجندة الدولية.










