تشكل علاقات سوريا مع دول الجوار أحد أبرز الملفات المؤثرة في مستقبل الأمن والاستقرار، خاصة في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها البلاد، وما يرافقها من تحديات تتعلق بضبط الحدود، ومكافحة الإرهاب، وملف اللاجئين، إلى جانب تنامي الحاجة إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والإقليمي.
وترتبط سوريا بحدود مشتركة مع تركيا والعراق والأردن ولبنان، إضافة إلى الحدود مع إسرائيل، ما يجعل أي تطور في علاقاتها مع هذه الدول ينعكس بصورة مباشرة على الواقع الأمني والاقتصادي والإنساني داخل البلاد، في الوقت الذي تتقاطع فيه المصالح المشتركة في عدد من الملفات، لا تزال هناك قضايا خلافية وتحديات أمنية تلقي بظلالها على طبيعة هذه العلاقات.
ويمثل استقرار الحدود والتنسيق الأمني بين سوريا ودول الجوار ركيزة أساسية للحد من تهديدات التنظيمات الإرهابية وشبكات تهريب السلاح والمخدرات والاتجار بالبشر، فضلاً عن توفير بيئة أكثر ملاءمة لعودة اللاجئين وتعزيز حركة التجارة والاستثمار وإعادة الإعمار.
في المقابل، ما تزال المنطقة تواجه تحديات ناجمة عن تباين المواقف السياسية، واستمرار بعض التدخلات الإقليمية، إضافة إلى تعقيدات الملفات الأمنية والحدودية، وهو ما يجعل بناء علاقات مستقرة ومتوازنة بين سوريا ودول الجوار ضرورة تتجاوز المصالح الثنائية، لتشمل الأمن الإقليمي بأكمله.
إعادة تعريف العلاقات
يقول المحلل السياسي السوري علاء الأصفري لـ”963+” إن الحكومة السورية تعمل اليوم على إعادة تعريف علاقاتها الإقليمية وفق رؤية مغايرة تماماً لما كان سائداً في السنوات الماضية، مؤكداً أن دمشق تسعى بشكل جاد لبناء “علاقات ثقة كبيرة” مع جيرانها العرب وتركيا، على أسس احترام السيادة والمصالح المشتركة.
ويشير الأصفري إلى أن سوريا، التي تتشارك حدوداً برية مع تركيا والدول العربية وإسرائيل، تدرك جيداً حساسية موقعها الجغرافي، ولذلك تعمل على طمأنة الجميع بأن أولويتها تنصب على “التفتت للداخل” وترسيخ الأمن والأمان، بعيداً عن أي أجندات توسعية أو تدخلات في شؤون الآخرين.
ويضيف المحلل أن المرحلة الحالية تشهد تعاوناً أمنياً غير مسبوق مع دول الجوار، خاصة في ملفي مكافحة الإرهاب ووقف تدفق مخدرات الكبتاجون، موضحاً أن سوريا تلعب دوراً محورياً في تأمين حدودها البرية والبحرية، ونزع أي أسلحة كيماوية محتملة، بما يسهم بشكل مباشر في استقرار المنطقة بأكملها.
وينوه الأصفري إلى أن الأوساط السياسية في دمشق تنظر باهتمام كبير إلى البعد الاقتصادي، مشدداً على أن سوريا اليوم “مصممة” على أن تكون مركزاً محورياً في سلاسل التوريد العالمية، وليست مجرد بؤرة أزمات أو نقطة عبور للمشكلات، معتبراً أن الموقع الاستراتيجي لسوريا يؤهلها لأن تصبح بوابة عبور للطاقة والبضائع بين الشرق والغرب إذا ما توافرت الإرادة الدولية والدعم الإقليمي.
ويوضح أن دمشق تتطلع إلى شراكة اقتصادية متقدمة مع محيطها العربي، وتأمل في أن يسهم الاستقرار الأمني في جذب استثمارات تُساعد في إعادة الإعمار بعد الدمار الهائل الذي خلفته سنوات الحرب، مشيراً إلى أن الحكومة السورية بدأت بالفعل خطوات عملية في هذا الاتجاه عبر القيادة العامة الحالية.
ويختتم الأصفري تصريحاته مؤكداً أن سوريا تقدم “ضمانات إضافية” بعدم السماح لأراضيها بأن تكون جسراً لعبور الأسلحة أو المخدرات إلى أي دولة شقيقة أو مجاورة، منوهاً بأن الاستقرار الداخلي السوري هو البوابة الرئيسية ليس فقط لنهضة البلاد، بل لاستقرار الإقليم برمته، ومشدداً في ختام حديثه على أن سوريا “تمدد الجانب للجميع” باستثناءاتها الجديدة، راغبة في أن تكون شريكاً في صناعة الاقتصاد العالمي، لا مشكلة تُحل.
تسارع في التحولات
يقول عمر الأعرجي، عضو أكاديمية التطوير السياسي والحكم الرشيد، إن المنطقة تشهد تسارعاً غير مسبوق في التحولات السياسية، مع تنافس محموم بين القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ والمقومات الاستراتيجية، في مشهد يعيد إلى الأذهان نظرية “قلب العالم” هالفورد جون ماكيندر، التي ترى في المنطقة موقعاً محورياً يتحكم في مصير التوازنات الدولية.
ويضيف الأعرجي، في حديث لـ”963+” أن ما تشهده المنطقة من فوضى عارمة وصراعات قائمة يضعها أمام اختبار حقيقي، إذ لا يمكن الحديث عن تسوية سياسية وشيكة في ظل تداخل المصالح وتعدد الأطراف المتنافسة، حيث يسعى كل طرف إلى فرض استراتيجيته بما يخدم أجندة قوى خارجية ورؤى دولية متضاربة.
ويشير الأعرجي إلى أن سوريا، في خضم هذه التحولات، باتت محوراً رئيسياً في رسم السياسات الجديدة بالمنطقة، خاصة مع بروز ملامح مرحلة ما بعد الحرب، التي قد تشهد إعادة تعريف للعلاقات السورية مع دول الجوار على أسس جديدة، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، بما ينسجم مع متغيرات المشهد الإقليمي.
ويؤكد الأعرجي أن التحديات الراهنة تفرض على دول الجوار السوري إعادة النظر في سياساتها، والانتقال من منطق الندية أو التصادم إلى بناء منظومة علاقات مشتركة تقوم على المصالح المتبادلة والحماية الجماعية، مشيراً إلى أن تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين سوريا ودول الجوار لم يعد خياراً تكميلياً، بل ضرورة استراتيجية تهدف إلى حماية مقومات كل دولة من خطر الصراع الدائر، وضمان استقرار المنطقة عبر تشكيل تحالفات إقليمية ذات أهداف بعيدة المدى.
ويختتم الأعرجي حديثه بالقول إن دول الجوار مدعوة اليوم إلى تجاوز منطق المحاور والانخراط في مشروع إقليمي تكاملي، تكون فيه سوريا جزءاً من معادلة الاستقرار، لا محوراً للصراع، مؤكداً أن المستقبل القريب سيشهد ملامح سياسية جديدة ترسمها ضرورات المرحلة ومقتضيات الأمن القومي المشترك.




