كانت مذكرة التفاهم الأميركية–الإيرانية، الموقعة في منتصف حزيران/يونيو 2026، محاولة لتجميد حرب بلغت كلفتها مستوى مؤلماً للطرفين، لا تسوية لجذورها. فقد نصّت على إنهاء العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري الأميركي تدريجياً، ومنح إعفاءات لصادرات النفط الإيرانية، وإتاحة الأموال المجمدة، ثم التفاوض خلال ستين يوماً على الاتفاق النهائي والملف النووي. لكن القضايا الأصعب، من التخصيب والصواريخ إلى حزب الله والوجود الإسرائيلي في لبنان، رُحّلت إلى المستقبل.
الأسباب الأميركية: هدنة أم استسلام إيراني مؤجل!
تعاملت إدارة دونالد ترامب مع المذكرة باعتبارها مرحلة انتقالية يفترض أن تقود إلى تنازلات إيرانية أوسع. واشنطن لم تكن تريد فتح هرمز فقط، بل كانت تنتظر اتفاقاً نووياً أشد صرامة، وضمانات بشأن مخزون اليورانيوم، وربما قيوداً على الصواريخ الباليستية والشبكة الإقليمية الإيرانية. لكن النص لم يفرض تفكيك البرنامج النووي، ولم يحسم مستقبل التخصيب، بل اكتفى بتعهد إيران عدم تصنيع سلاح نووي وبإرجاء التفاصيل إلى مفاوضات لاحقة. وبالمقارنة مع أهداف الحرب الأميركية–الإسرائيلية المعلنة في بدايتها، بدا الاتفاق الأولي أقرب إلى وقف الخسائر منه إلى فرض استسلام استراتيجي على طهران.
واجهت واشنطن أيضاً مشكلة ترتيب الالتزامات. إيران أرادت رفعاً سريعاً وملموساً للعقوبات، وإطلاق الأموال المجمدة، وضمان تصدير النفط قبل تقديم تنازلات نووية كبرى. أما واشنطن فأرادت أن يكون تخفيف العقوبات تدريجياً وقابلاً للتراجع، وأن يبقى مرتبطاً بسلوك إيران.
من هنا، لم تنظر الولايات المتحدة إلى إعفاءات النفط وإنهاء الحصار على أنهما حقوق إيرانية نهائية، بل حوافز مشروطة بحسن السلوك. وما إن اتهمت طهران باستهداف سفن تجارية حتى ألغت الإعفاءات وأعادت الحصار البحري. وفي 8 تموز/يوليو، أعلن ترامب أن التفاهم «انتهى»، قبل أن تطلق القوات الأميركية سلسلة واسعة من الضربات داخل إيران. وهنا ظهر عيب آخر: سياسة ترامب التفاوضية تقوم على إبقاء الدبلوماسية والقوة العسكرية مفتوحتين في الوقت نفسه. هذه الاستراتيجية قد تدفع الخصم إلى التنازل، لكنها تضعف الثقة بأي التزام أميركي طويل الأمد. بالنسبة إلى طهران، بقي السؤال قائماً: لماذا تقدم تنازلات دائمة مقابل إعفاءات يستطيع الرئيس الأميركي سحبها خلال ساعات؟
الأسباب الإيرانية: النظام لا يستطيع الظهور مهزوماً
في المنظور الإيراني، لم يكن مضيق هرمز ملفاً اقتصادياً فقط، بل آخر أوراق الردع السيادية بعد استهداف القيادة والمنشآت العسكرية والنووية. لذلك كان التخلي عن أي دور في إدارة المضيق سيُقدَّم داخلياً باعتباره تنازلاً عن أهم ورقة جيوسياسية تملكها البلاد.
كما أن القيادة الإيرانية كانت تتحرك تحت ضغط داخلي شديد. اغتيال علي خامنئي في الضربات الأميركية–الإسرائيلية، ثم الانتقال المضطرب للسلطة، جعلا أي اتفاق مع واشنطن عرضة لاتهام أصحابه بالتفريط بدماء القيادة العسكرية والسياسية. وظهرت داخل المؤسسة الإيرانية اعتراضات على التفاوض مع دولة شاركت في قتل المرشد وكبار القادة، فيما رأى المتشددون أن واشنطن تريد أخذ التنازلات الإيرانية أولاً وتأجيل التزاماتها الاقتصادية.
في الملف النووي، لم تسمح إيران لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى بعض المواقع التي تعرضت للقصف، ولم تقدم تنازلاً علنياً بشأن التخصيب أو المخزون عالي التخصيب. وهذا جعل المهلة المحددة بستين يوماً غير واقعية؛ إذ كان مطلوباً خلالها حل ملف عجز الطرفان عن تسويته طوال عقود.
الأسباب الإسرائيلية: طرف غير موقّع يملك الحق في التفجير
مثّل العامل الإسرائيلي المشكلة الأكثر خطورة. فالمذكرة تحدثت عن وقف العمليات «على جميع الجبهات، بما فيها لبنان»، لكنها لم تكن اتفاقاً موقعاً مع إسرائيل، ولم تتضمن وسيلة فعلية لإجبارها على الانسحاب أو وقف عملياتها.
إيران قرأت وقف النار في لبنان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من التفاهم: تتوقف هجمات حزب الله، وفي المقابل تنسحب إسرائيل وتحترم السيادة اللبنانية. لكن إسرائيل رفضت هذا التفسير، وأصر بنيامين نتنياهو على أن قواته لن تنسحب ما دامت قدرات حزب الله قائمة، مؤكداً أن إسرائيل ليست طرفاً ملزماً بالمذكرة.
كان الاعتراض الإسرائيلي أعمق من لبنان. فالمذكرة لم تفكك برنامج إيران النووي، ولم تفرض قيوداً واضحة على صواريخها، ولم تنه شبكتها الإقليمية، كما منحت طهران إعفاءات نفطية وأموالاً يمكنها استخدامها لإعادة بناء قدراتها. لذلك رأت أوساط إسرائيلية أن الاتفاق يمنح إيران فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التسلح بعد الحرب.
وكشفت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن مسؤولين داخل الحكومة الإسرائيلية سعوا إلى التأثير في الرأي العام الأميركي ضد الاتفاق. كما أفادت تقارير بأن الاستخبارات الأميركية حذرت منذ الأيام الأولى من احتمال اتخاذ نتنياهو خطوات تقوّض مسار السلام، تحت ضغط استمرار الحرب في لبنان.
اتفاقان متناقضان
تكمن العلة الأبرز في صوغ المذكرة نفسها: احتوت عبارات عامة، وتركت لكل طرف مساحة واسعة لتفسيرها بما يناسب مصالحه. نصّ البند المتعلق بهرمز على ضمان إيران مرور السفن التجارية مجاناً ستين يوماً، وعلى إجراء حوار مع دول الخليج بشأن «الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية» في المضيق. فهمت طهران ذلك اعترافاً بدورها السيادي في تنظيم الملاحة، وربما فرض رسوم بعد انتهاء المهلة. أما واشنطن، فاعتبرت المضيق ممراً دولياً لا يجوز لإيران التحكم فيه أو إخضاعه لترتيبات أحادية. بذلك، تحول هرمز إلى اختبار لمن يملك اليد العليا بعد الحرب. إيران أرادته ورقة سيادة ونفوذ وتعويض، بينما أرادته الولايات المتحدة مساحة مفتوحة تحميها البحرية الأميركية. وعندما أنشأت واشنطن مساراً بحرياً بمحاذاة الساحل العُماني وخارج نطاق السيطرة الإيرانية، رأت طهران ذلك محاولة لإفراغ المكسب الذي اعتقدت أنها انتزعته من المذكرة. كذلك لم تتضمن الوثيقة آلية حاسمة للتحقيق في الخروقات أو فرض العقوبات على الطرف الذي يبدأ بالتصعيد. كانت هناك آلية متابعة واتصالات عبر الوسطاء، لكن لم توجد جهة مستقلة تستطيع أن تقرر سريعاً من خرق الاتفاق. لذلك كان كل حادث قابلاً للتحول إلى روايتين متضادتين، ثم إلى ضربات انتقامية.










