لم يعد حضور الأطفال في الدراما السورية يقتصر على مشاهد عابرة أو أدوار ثانوية، بل أصبح جزءاً أساسياً من العديد من الأعمال التي حققت انتشاراً واسعاً خلال السنوات الأخيرة.
ومع تصاعد نجومية عدد من الأطفال، وانتقالهم من شاشة التلفزيون إلى منصات التواصل الاجتماعي، برزت تساؤلات حول ما إذا كان هذا الحضور يمثل تطوراً طبيعياً في الصناعة الدرامية أم استثماراً تجارياً في موهبة الطفل، وما يرافقه من انعكاسات نفسية واجتماعية.
ويقول الصحفي والناقد الفني عامر فؤاد عامر لـ”963+”، إن هذه الظاهرة تحمل جانبين متداخلين، فمن جهة، شهدت الدراما السورية تطوراً في كتابة الشخصيات، ما منح الأطفال مساحة أوسع داخل الحكاية، بعد أن كان حضورهم غالباً هامشياً، مثل “كسر عضم” و “ولاد بديعة” و”أغمض عينيك” الذين قدموا الطفل بوصفه عنصراً فاعلاً في البناء الدرامي، بما يعكس صورة أكثر واقعية للأسرة والمجتمع.
اقرأ أيضاً: المرأة أكبر من لقب “أرملة” – 963+
في المقابل، لا ينكر عامر وجود بعد تجاري فرض نفسه مع اتساع شعبية الأطفال عبر منصات التواصل الاجتماعي، موضحاً أن بعض شركات الإنتاج باتت تنظر إليهم كوسيلة لجذب المشاهدات.
ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في الشهرة بحد ذاتها، وإنما في كيفية إدارتها، فحين يُعامل الطفل بوصفه فناناً في طور التكوين، مع مراعاة احتياجاته النفسية والتعليمية، يصبح الأمر استثماراً حقيقياً في الموهبة، أما إذا تحول إلى أداة تسويقية، فقد ينعكس ذلك سلباً على نموه النفسي والاجتماعي.
ويشدد عامر على أن اختيار الطفل للمشاركة في الأعمال الدرامية يجب أن يستند إلى الاستعداد النفسي والقدرة على التعبير ووجود بيئة إنتاجية داعمة، لا إلى الشعبية أو المظهر الخارجي فقط.
ويرى الناقد الفني أن بعض الأعمال لا تزال توظف الأطفال لاستدرار تعاطف الجمهور أكثر من اهتمامها بصقل مواهبهم، مؤكداً أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالتدريب والإشراف والمتابعة المستمرة، وليس بالنجاح السريع.
اقرأ أيضاً: الأم المثالية.. حقيقة يمكن الوصول إليها أم صورة مرهقة تلاحق النساء؟ – 963+
ومن الجانب النفسي، توضح الطبيبة النفسية شيرين عبد القادر، أن الشهرة المبكرة ليست إيجابية أو سلبية بشكل مطلق، وإنما تتحدد آثارها وفق البيئة التي يعيش فيها الطفل وطريقة إدارة تجربته الفنية. فالطفل يكون في مرحلة بناء شخصيته، وقد يربط قيمته الذاتية بحجم النجاح أو عدد المتابعين، الأمر الذي قد يؤثر في ثقته بنفسه إذا تراجعت الأضواء.
لكنها تؤكد في حديثها لـ”963+”، أن الدعم الأسري والتعامل مع التمثيل بوصفه تجربة لتنمية المهارات، وليس مصدراً وحيداً لتقدير الذات، يساعدان الطفل على اكتساب الثقة والانضباط والقدرة على التواصل.
وتحذر عبد القادر من الضغوط التي قد يتعرض لها الطفل الممثل، سواء خلال التصوير أو بعد عرض العمل، مثل ساعات العمل الطويلة، والخوف من الفشل، والانتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي عوامل قد تؤثر في استقراره النفسي إذا لم يجد الدعم الكافي.
كما تشير إلى أن الطفل قد يجد صعوبة في التكيف مع تراجع الشهرة أو قلة الفرص، لذلك ينبغي ألا تتحول النجومية إلى محور حياته.
ويتفق عامر مع هذا الرأي، حيث يعتبر أن الشهرة المبكرة سلاح ذو حدين؛ فهي قد تمنح الطفل الخبرة والثقة، لكنها قد تخلق هشاشة نفسية إذا ارتبط تقديره لذاته بالإعجاب الجماهيري.
ويؤكد أن التجارب أثبتت نجاح بعض الأطفال بفضل الدعم الأسري والإدارة الواعية، في حين غاب آخرون بعد موجة شهرة قصيرة.
ويجمع الخبيران على أن المسؤولية تقع على عاتق الأسرة وشركات الإنتاج معاً، من خلال توفير بيئة عمل آمنة، وساعات تصوير مناسبة، وعدم السماح بأن يؤثر العمل في الدراسة أو الحياة الطبيعية للطفل، إلى جانب حمايته من ضغوط مواقع التواصل الاجتماعي. كما يدعوان إلى وضع لوائح مهنية تنظم مشاركة الأطفال في الإنتاج الدرامي، وتضمن الإشراف النفسي وحماية حقوقهم.
وفي ختام حديثه، يؤكد عامر أن مستقبل الدراما السورية يمكن أن يستفيد من هذه الظاهرة إذا أُديرت بمهنية ومسؤولية، لأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات أو المتابعين، بل بقدرة الطفل على ممارسة الفن دون أن يفقد حقه في عيش طفولته بصورة متوازنة وآمنة.










