د. إبراهيم جلال فضلون
تأبى منطقة الشرق الأوسط إلا أن تظل المسرح الأكثر سخونة على رقعة الشطرنج العالمية، فمنذ فجر التاريخ والحرب هي استمرار للسياسة لكنها بوسائل أخرى، حيث تتداخل الحسابات العسكرية بالصفقات الديبلوماسية المعقدة في مشهدٍ يعيد رسم موازين القوى الإقليمية والدولية، فلم نعد نقف اليوم أمام مجرد جولة مناوشات تقليدية أو حرب بالوكالة، بل نحن بصدد تحول دراماتيكي يضع المنطقة برمتها على شفا مواجهة مباشرة وشاملة.
بين روما وهُرمز: نار الخليج وتفاوض روما
بينما تقف الممرات المائية الحيوية مسرحاً لصراعات الكبار قبل الصغار، ومقياساً حقيقياً لموازين القوى الدولية أكثر من أي خطاب سياسي مهما بلغت بلاغته، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي يغذي شريان الاقتصاد العالمي بـ %20 من إمدادات النفط، يقف على خط تماس بين حرب مُعلنة الوقف ونزاع لم يضع أوزاره فعلياً، بينما تتحرك في موازاته، وعلى مسافة جغرافية أبعد، آلة تفاوضية هادئة في روما، تحاول أن تنتزع من ركام الحروب المتعاقبة في لبنان خيطاً رفيعاً من الاستقرار.
لكن القراءة المتأنية للمشهد تؤكد أن ما يدور في غرف المفاوضات المغلقة ليس سوى صدى لقعقعة السلاح وصراع الإرادات المستعر بين طهران وتل أبيب، مدعوماً بضوء أخضر وضغوط أميركية غير مسبوقة.
وهُنا نرى مسارين، أولهما ناري في الخليج وثانيهما تفاوضي في روما، رغم أنهما ليسا منفصلين كما قد يبدوان للوهلة الأولى، بل وجهان لعملة إقليمية واحدة عنوانها: من يملك زمام المبادرة في الشرق الأوسط الجديد؟.
فحين تتحدث الأرقام بدل الشعارات والخطابات، نرى الأرقام أكثر صدقاً من أي تصريح سياسي، فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية تنفيذ ثلاث جولات من الضربات خلال أسبوع واحد فقط، استهدفت أكثر من 300 موقع عسكري داخل الأراضي الإيرانية، ثم أعقبتها موجة إضافية طاولت نحو 80 هدفاً بذخائر دقيقة، هذا ليس تصعيداً عابراً، بل تحول في قواعد الاشتباك من ضربات محدودة إلى حملة ممنهجة تعيد رسم بنك الأهداف بالكامل، وهو ما يعني أن أي جولة قادمة، إن وقعت، ستكون أعمق أثراً من حيث الاستهداف الاقتصادي المباشر، والأخطر هُنا أن التقديرات الأمنية السائدة باتت تصف فرص نجاح المنحى التفاوضي بين واشنطن وطهران بأنها “شبه معدومة”، وهي عبارة نادراً ما تصدر إلا حين يكون التقييم الداخلي قد حسم فعلياً باتجاه خيار المواجهة، وأن المنطقة تتحرك بسرعة فائقة نحو خيار “حافة الهاوية” حيث تصبح المواجهة المباشرة مسألة وقت لا أكثر.
معادلة لغز البيضة والدجاجة: من يتحرك أولاً؟
على مسافة آلاف الكيلومترات من هرمز، في روما العاصمة الإيطالية كمحطة عملية تفرضها الجغرافيا، تدور الجولة السادسة من مفاوضات غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل، بعد خمس جولات سابقة انطلقت من واشنطن منتصف أبريل الماضي، تُجرى برعاية أميركية مكثفة وبحضور أمني رفيع المستوى، لكنها تصطدم بجدار سميك من الشروط التعجيزية والمطالب المتبادلة التي تجعل من إمكانية تطبيق أي اتفاق خياراً معقداً للغاية.
والمطلب اللبناني واضح: البدء الفوري بانسحاب القوات الإسرائيلية من منطقتين تجريبيتين جنوب لبنان قبل أي نقاش آخر، بينما الجانب الإسرائيلي فيُصر على ألا ينسحب من عمق أمني يبلغ 10كيلومترات عن حدوده إلا بعد نزع سلاح “حزب الله” بالكامل، وكأننا أمام معادلة تُشبه لغز البيضة والدجاجة: من يتحرك أولاً؟ والمهلة الزمنية المطروحة لبدء التنفيذ الفعلي هي نهاية يوليو الجاري، وهي مهلة ضيقة جداً بالنظر إلى حجم الملفات الفنية العالقة، من ترسيم الحدود إلى آلية التحقق الأميركية من نزع السلاح.
التوقيت لا يشبه الصدفة
إن توقيت هذا التصعيد المتسارع في صيف عام 2026 ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تلاقي مجموعة من العوامل السياسية والميدانية التي تجعل من هذه المرحلة لحظة فارقة. فلا يمكن فصل توقيت جولة روما عن سياقين متلازمين:
- الأول داخلي لبناني، إذ تسبق هذه الجولة بأيام قليلة زيارة مرتقبة للرئيس اللبناني إلى واشنطن، بدعوة مباشرة من الإدارة الأميركية.
- الثاني إقليمي أوسع، مرتبط بمصير التفاهم الهش بين واشنطن وطهران، والذي إن انهار كلياً فإن ارتداداته لن تقف عند حدود الخليج، بل ستمتد حكماً إلى الساحة اللبنانية عبر حسابات “حزب الله” المرتبطة عضوياً بالموقف الإيراني الإقليمي.
في هذا المشهد المشتعل، يبدو أن الأطراف جميعاً قد استنفدوا مساحات المناورة الديبلوماسية المعتادة، ولم يعد أمام القادة سوى اتخاذ قرارات مصيرية ستغير وجه الشرق الأوسط لسنوات طويلة قادمة، فلبنان، الذي لا يملك من أوراق القوة ما يملكه غيره، يجد نفسه رهينة توازنات لا يتحكم في مساراتها، بينما يُطلب منه أن يكون النموذج الأكثر التزاماً بالتهدئة.
من يملك الوقت يملك القرار
في لعبة الأمم الكبرى، لا يفوز بالضرورة من يمتلك السلاح الأكثر فتكاً، بل من يمتلك القدرة الأكبر على الصمود وإدارة عامل الوقت لصالحه وتحمل الضربات المؤلمة. وواشنطن، بحسب المؤشرات المتاحة، تتعامل مع الملف اللبناني – الإسرائيلي بمنطق “الغموض البناء” أي الحفاظ على الزخم لا الحسم الفوري، بينما تتعامل مع الملف الإيراني بمنطق الردع التصاعدى الذي يترك الباب موارباً أمام الدبلوماسية دون أن يغلقه أمام الخيار العسكري، بينما تسعى إسرائيل لحسم المعركة وكسر الستاتيكو القائم بشكل نهائي مُستغلةً فرصة الدعم الدولي والتحول في موازين القوى.
أما الأطراف الإقليمية والدول العربية، فهي مطالبة اليوم بصياغة استراتيجية موحدة وجريئة للتعامل مع هذا الإعصار القادم، بدلاً من الاكتفاء بدور المراقب المنتظر لنتائج صراع الكبار؛ فالتاريخ لا يرحم المترددين، ومن لا يصنع قراره بيده، يُصنع له على حساب مستقبله وأمن شعوبه.ط
وفي منتصف كل صعوبة تكمن الفرصة، لأن الحضارات لا تموت قتلاً، بل تنتحر عندما تفقد القدرة الاستجابية الحكيمة للتحديات الكبرى التي تواجهها.










