لا تكتمل عملية إعادة بناء الدول الخارجة من النزاعات بمجرد استعادة السيطرة على الجغرافيا، بل تمتد إلى توحيد المنظومة الاقتصادية واستعادة أدوات السياسة النقدية التي غالباً ما تتعرض للتشظي خلال سنوات الصراع. وفي الحالة السورية، حيث فرضت ظروف الحرب تعدد العملات في مناطق مختلفة، يبرز قرار سحب الليرة التركية من شمال غربي البلاد باعتباره خطوة تتجاوز استبدال عملة بأخرى، ليعكس توجهاً نحو إعادة توحيد السوق واستعادة السيادة النقدية. غير أن نجاح هذا المسار لا يتوقف على القرار نفسه، بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات المالية على إدارة عملية الانتقال بسلاسة، وضمان توافر السيولة، والحفاظ على ثقة المواطنين واستقرار الأسواق.
وأعلن حاكم مصرف سوريا المركزي، محمد صفوت رسلان، خلال زيارة رسمية إلى محافظة إدلب رافقت إعادة افتتاح فرع المصرف فيها بعد توقف دام أكثر من عشر سنوات، أن المرحلة المقبلة ستشهد وقف ضخ أي كميات إضافية من الليرة التركية إلى الداخل السوري، على أن تُسحب العملة الموجودة فعلياً في التداول بصورة تدريجية ومدروسة تفادياً لأي “ارتباك” أو “هلع” قد يصيب المواطنين، بحسب تعبيره.
ويأتي هذا التصريح ليضع حداً زمنياً غير معلن لتجربة نقدية استمرت قرابة ست سنوات، حين تحوّلت الليرة التركية إلى العملة الفعلية المهيمنة على التعاملات اليومية في إدلب وأرياف حلب الشمالية والغربية والشرقية، بعدما فقدت الليرة السورية قدرتها الشرائية بشكل حاد عقب عام 2011، وبعد أن أعلنت فصائل المعارضة آنذاك، في منتصف عام 2020، حظر التعامل بالعملة السورية رسمياً في تلك المناطق.
ولم يعترض خبراء اقتصاديون تحدثوا لـ”963+” على منطق القرار من حيث المبدأ، إذ اعتبروا أن توحيد إدلب نقدياً مع بقية البلاد خطوة ضرورية لإعادة الدمج الاقتصادي الكامل للمحافظة بعد سقوط النظام السابق، غير أن التحفظات تركزت على غياب استراتيجية تنفيذية متكاملة تواكب القرار وتحول دون تحوله إلى صدمة سوقية.
أرقام السوق: أين تقف الليرة التركية اليوم؟
وفق تعاملات صرافة موثقة خلال الأسابيع الأخيرة، بلغ سعر صرف الليرة التركية في السوق الموازية نحو 2.44 ليرة سورية جديدة للشراء و2.46 للبيع، وهو مستوى يعكس استمرار حضورها الفعلي في التداول اليومي رغم القرار الرسمي بسحبها، ما يؤكد أن التحول سيكون تدريجياً بالفعل، وربما أبطأ مما يوحي به الخطاب الرسمي، ما لم تُستكمل الإجراءات التنفيذية على الأرض.
ولم يأتِ الإعلان عن سحب الليرة التركية بمعزل عن خطوة عملية أخرى، إذ تزامن مع افتتاح فرع مصرف سوريا المركزي في إدلب في الأول من تموز الجاري، ويأتي هذا الفرع، بحسب بيانات المصرف، ليتولى إدارة حسابات الجهات العامة، وتأمين السيولة النقدية للمصارف العاملة في المحافظة، وتنفيذ الحوالات والتسويات المالية، إضافة إلى دعم أنظمة الدفع ومراقبة حركة النقد.
واللافت في تصريحات الحاكم أن عملية سحب العملة التركية لن تكون قراراً أحادي الجانب، بل تستند إلى تنسيق مسبق مع الجانب التركي؛ إذ كشف رسلان عن أن اجتماعاً عُقد قبل أسبوعين من الإعلان مع حاكم مصرف تركيا المركزي وشركة البريد التركية (PTT)، التي كانت تمثل أحد قنوات ضخ الليرة التركية وتحويلاتها إلى شمال سوريا، لبحث آلية وقف الضخ وتنظيم الانسحاب التدريجي للعملة.
لماذا الآن؟
يجيب الخبير المالي محمد الحميدي في تصريح لـ”963+” أن هذا القرار يندرج ضمن مسار أوسع يتبعه المصرف المركزي في دمشق لاستعادة ما يصفه بـ”السيادة النقدية” على كامل الأراضي السورية، بعد سنوات من التشظي النقدي الذي أنتج فعلياً أكثر من عملة متداولة في وقت واحد، الليرة السورية بإصداريها القديم والجديد، والدولار الأمريكي، والليرة التركية، وقد سبق افتتاح فرع إدلب افتتاح مماثل لفرع المصرف المركزي في الرقة والحسكة نهاية الشهر الماضي، بعد توقف امتد منذ عام 2013، في ما يبدو نمطاً متكرراً لإعادة بسط الحضور المصرفي الرسمي في المناطق التي خرجت طويلاً عن سيطرة الدولة المركزية.
من الناحية الاقتصادية، يرى الحميدي أن عودة إدلب إلى دائرة التعامل بالليرة السورية تعني عملياً ضخ طلب إضافي على العملة المحلية في السوق، وهو ما قد ينعكس، نظرياً على الأقل، بشكل إيجابي على استقرار سعر الصرف، في ظل استمرار الفارق الملحوظ بين سعري الصرف الرسمي والموازي، إذ سجّل الدولار في السوق السوداء مستويات تفوق نظيره في مصارف الدولة بما يقارب ألفي ليرة سورية جديدة لكل مئة دولار وفق تعاملات الأسابيع الأخيرة.
العقدة الحقيقية: من يضمن العملة القديمة؟
خلف الإعلان الرسمي المتفائل، تكشف شهادات ميدانية من إدلب عن فجوة واسعة بين القرار وأدوات تنفيذه، فحتى تاريخ إعداد هذا التقرير، لم يوضح فرع المصرف المركزي الجديد آلية عملية لاستبدال الليرة السورية القديمة لدى شركات الصرافة والتجار في المحافظة، ما أبقى السوق المحلي في حالة ترقب وحذر.
من يمتلك عملة سورية قديمة لا يملك خياراً سوى السفر إلى محافظة أخرى لتصريفها، وهذا الأمر يحتاج إلى حل عملي وعاجل
جميلة المصطفى، مواطنة من إدلب، تقول في تصريح لـ”963+” أنه ونتيجة لهذا الغموض، توقفت غالبية شركات الصرافة والمحلات التجارية في إدلب عن قبول العملة الورقية القديمة بشكل شبه كامل، رغم تأكيد المصرف المركزي استمرار قبولها واستبدالها عبر نقاط ومصارف معتمدة. ويجد حامل الليرة السورية القديمة نفسه أمام خيارات مكلفة جميعها: إما تحمّل خسارة تتراوح بين 30 و40 بالمئة من قيمتها عند تحويلها بسعر أدنى من السوق، أو تجميدها دون أي عائد، أو السفر إلى محافظة أخرى لتصريفها بتكلفة ووقت إضافيين، يضاف إلى ذلك هاجس أمني-تجاري يتعلق بالتزوير، إذ تُعد النسخة القديمة من الليرة السورية أكثر عرضة للتقليد، في ظل غياب أجهزة كشف حديثة لدى غالبية المحال التجارية في المحافظة، ما يجعل التجار أكثر تحفظاً تجاه قبولها حتى مع وجود غطاء رسمي مُعلن.
“قرار سليم يحتاج أدوات مصاحبة”
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد في تصريح لـ”963+” أنه لا بد من استراتيجية متكاملة لتجنب صدمة الأسواق، عبر حملة توعية واسعة، واعتماد المؤسسات الحكومية الليرة السورية حصراً في معاملاتها، إلى جانب تقديم حوافز تشجع المواطنين والتجار على العودة تدريجياً للعملة المحلية
ويشدد مراد على أن نجاح عملية الانتقال يتوقف إلى حد كبير على دور القطاع الخاص، من خلال توفير سيولة كافية بالليرة السورية وتطوير الخدمات المصرفية المتاحة، داعياً إلى فتح نوافذ مصرفية إضافية داخل إدلب لتنشيط الحركة التجارية وتخفيف الاعتماد على العملة التركية بشكل عملي وليس بقرار إداري فقط.
ويؤكد مراد أن قرار سحب الليرة التركية من إدلب يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات المالية السورية الجديدة على إدارة ملفات ما بعد الصراع بطريقة تجمع بين استعادة الرمزية السيادية للدولة والحفاظ على استقرار معيشة المواطنين، فالنجاح في هذا الملف لن يُقاس بعدد الفروع المصرفية المعاد افتتاحها أو بحجم التصريحات الرسمية، بل بمدى قدرة المصرف المركزي على توفير آلية واضحة وعادلة لاستبدال العملة القديمة، وضمان سيولة كافية بالليرة السورية الجديدة، وبناء ثقة تدريجية لدى تجار وسكان اعتادوا لسنوات على عملة أخرى كانت بالنسبة لهم أكثر استقراراً من عملة بلدهم.









