في أنقرة، اجتمع الناتو لاختبار سؤال عميق: من يقود الغرب حين تريد واشنطن أن تبقى الزعيمة من دون أن تدفع ثمن الزعامة كاملة؟ هنا تحديداً تبرز تركيا. فمن زاوية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليست المسألة حباً خاصاً بتركيا بقدر ما هي هندسة جديدة لتوزيع الأعباء، خصوصاً بعد تجربة “إيران” المريرة.
الولايات المتحدة لم تعد تريد أن تكون الشرطي الكامل لأوروبا والشرق الأوسط معاً. الأولوية الاستراتيجية الأميركية، منذ سنوات، هي آسيا والصين: بحر الصين الجنوبي، تايوان، التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد.
لذلك، يبدو منطقياً أن يطلب ترامب من الأوروبيين أن يدفعوا أكثر، وأن يطلب من تركيا أن تتحول من عضو صعب داخل الناتو إلى ذراع عملية في محيط ملتهب. عقدت قمة أنقرة فعلاً تحت ضغط أميركي واضح على أوروبا لزيادة الإنفاق الدفاعي وتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، مع بحث ما تسميه واشنطن نقل الأعباء من الولايات المتحدة إلى الحلفاء الأوروبيين.
اختيار تركيا تحديداً ليس تفصيلاً. واشنطن لا تنسحب من الناتو، بل تعيد تعريف قيادتها له: أقل حضوراً مباشراً، وأكثر مطالبة للآخرين بأن يتحولوا إلى مقاولين أمنيين ضمن الاستراتيجية الأميركية الكبرى. أنقرة تملك ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة، وتتميز بصناعة دفاعية صاعدة، وبموقع لا تملكه أي عاصمة أوروبية أخرى: على تماس مع البحر الأسود وروسيا، وقريبة من سوريا والعراق وإيران وشرق المتوسط والقوقاز. هذه الجغرافيا تجعل تركيا دولة لا يمكن تجاوزها، حتى عندما تكون مزعجة للغرب الذي يحتاجها في أوكرانيا، ولضبط البحر الأسود، وفي ملفي الهجرة والطاقة، وفي أي ترتيبات تخص سوريا والعراق وإيران. غير أن القوة نفسها التي تجعلها مفيدة تجعلها خطرة: فهي لا تقبل أن تكون قاعدة خلفية للقرار الأطلسي، إنما تطبل ثمناً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لكل خدمة تقدمها.
من هنا يمكن فهم احتفاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بترامب، وقراءة وعد الأخير برفع العقوبات عن تركيا وفتح الباب، ولو جزئياً، أمام عودتها إلى برنامج إف-35. فقد كانت صفقة إس-400 الروسية لحظة تصدع كبيرة بين واشنطن وأنقرة، وأدت إلى إخراج تركيا من البرنامج في 2019. اليوم، حين يلمح ترامب إلى التراجع عن ذلك، فهو لا يمنح أردوغان جائزة ترضية فحسب، بل يرسل رسالة إلى أوروبا وروسيا معاً: تركيا عائدة إلى قلب اللعبة الأطلسية، لكن وفق منطق الصفقات، لا منطق الثقة الكاملة.
الأوروبيون يعرفون ذلك جيداً، ولهذا ينقسمون. تيار يرى في تركيا حلاً جزئياً لمعضلة الدفاع الأوروبي: جيش كبير، مصانع مسيّرات وصواريخ وسفن، وخبرة عملياتية من سوريا إلى ليبيا وأذربيجان وأوكرانيا. ومع إطلاق الناتو مبادرات جديدة في أنقرة لتسريع التعاون الصناعي الدفاعي، تبدو تركيا مرشحة لتكون جزءاً من سد فجوة الإنتاج العسكري التي كشفتها حرب أوكرانيا. لكن التيار الآخر يرى أن إدخال تركيا إلى عمق التخطيط الدفاعي الأوروبي يشبه إدخال الشك إلى غرفة العمليات: دولة ترفض العقوبات على روسيا، تحتفظ بعلاقات تجارية وسياسية معها، اشترت منظومة إس-400، وتناور أحياناً بين إيران وروسيا والغرب.
أما الشرق الأوسط، فهو المسرح الذي ستظهر فيه نتائج هذا التحول سريعاً. إذا حصلت تركيا على دعم أطلسي أكبر، ستزداد جرأتها في سوريا وشرق المتوسط، وربما في العراق. في سوريا، قد يعني ذلك دوراً تركياً أوسع في ترتيب الأمن والحدود والفصائل واللاجئين. في شرق المتوسط، سيصطدم الطموح التركي بحسابات اليونان وقبرص وإسرائيل. وفي ملف إيران، ستجد أنقرة نفسها أمام معادلة صعبة: التقرب من الناتو يتطلب الابتعاد أكثر عن طهران وموسكو، لكن مصالح تركيا الاقتصادية والطاقة والحدود تمنعها من قطيعة كاملة معهما.
هذه هي المفارقة الكبرى: ترامب يريد تركيا قوية كي تخفف العبء عن أميركا، وأردوغان يريد الناتو كي يثبت أن تركيا ليست هامشية، وأوروبا تريد تركيا من دون أن تثق بها. لذلك، لم تكن قمة أنقرة مجرد انتصار بروتوكولي لأردوغان أو مشهداً عابراً في علاقة شخصية بينه وبين ترامب. كانت إعلاناً عن مرحلة جديدة: ناتو أقل أميركية في الإنفاق، أكثر تركية في الجغرافيا، وأشد قلقاً في روحه السياسية.









