في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه وزارة الطاقة السورية ضخّ أكثر من 7 ملايين و320 ألف لتر من البنزين ضمن 305 طلبات موزّعة على مختلف المحافظات، كانت طوابير السيارات تمتد أمام محطات الوقود من دمشق إلى حلب، ومحطات أخرى تغلق أبوابها كلياً أو جزئياً، الفجوة بين الرقم الرسمي والمشهد الميداني ليست تناقضاً عابراً، بل هي المدخل لفهم أزمة أعمق تتقاطع فيها سياسة التسعير، وضعف الإنتاج المحلي، وأزمة ثقة متراكمة بين المواطن والجهات الرسمية.
الرواية الرسمية: لا نقص في المادة؟!
بحسب بيان وزارة الطاقة، انطلقت صباح الأحد 305 طلبات بنزين بواقع 24 ألف لتر للطلب الواحد من مركزي التوزيع في بانياس وحمص، ليصل الإجمالي إلى 7 ملايين و320 ألف لتر ضمن خطة التوزيع اليومية، وأكد مدير دائرة الإعلام في الوزارة، عبد الحميد سلات، أنه جرى تنفيذ 164 طلباً بواقع 3 ملايين و936 ألف لتر حتى ظهر اليوم، فيما تتواصل الصهاريج بشكل تباعي، مشيراً إلى أن الارتفاع الكبير والاستثنائي في الطلب خلال الأيام الماضية أدى إلى زيادة الضغط على بعض محطات الوقود.
الوزارة وصفت ما يجري بأنه “حالة اختناق مؤقتة في عمليات التزويد” وليس نقصاً حقيقياً في المشتقات، مؤكدة أن المخزون الاستراتيجي متوافر وأن عمليات التخزين والنقل مستمرة دون انقطاع من المصدر. كما دعت المواطنين إلى التوجه للمحطات عند الحاجة الفعلية فقط وعدم التهافت بدافع القلق.
الخبير الاقتصادي إبراهيم المحمد يؤكد في تصريحات لـ”963+” أن هذه الدعوة تكشف ضمنياً أن جزءاً من الأزمة سلوكي: تخزين احترازي من المستهلكين أنفسهم، ولكن المشهد الميداني من حيث الطوابير لا بشبه البيان، ففي دمشق وريفها، تجاوزت المبيعات وفق تقديرات متداولة نسبة 300% من المعدل الطبيعي، ما اضطر السائقين للانتظار ساعات طويلة أمام المحطات العاملة، وفي حلب أغلقت محطات عديدة أبوابها بالكامل، بينما سُجّل المشهد ذاته من الطوابير الممتدة في المحافظات الساحلية والوسطى والجنوبية.
ويلفت إلى أن أصحاب المحطات، من جهتهم، يقدّمون رواية مختلفة عن رواية الوزارة: المادة، برأيهم، متوفرة فعلياً في المستودعات والمصافي، لكن ضخّها إلى السوق بات مرهوناً بحسابات مالية دقيقة أكثر منه بمسألة توفر فعلي.
ويوضح المحمد أن جذور الأزمة تعود إلى صدمة التسعير المفاجئ، فالأزمة الحالية تلت مباشرة قراراً بخفض أسعار المشتقات، حيث انخفض سعر لتر بنزين أوكتان 95 بنسبة 20.39% ليصبح 130 ليرة سورية جديدة، وأوكتان 90 بنسبة 19.97% إلى 125 ليرة، والديزل بنسبة 14.37% إلى 107 ليرات، وأسطوانة الغاز المنزلي بنسبة 15.5% إلى 1500 ليرة، وقد تحاشى عدد من أصحاب المحطات طلب كميات جديدة تجنباً لخسائر محتملة، فيما أرجأ بعض المواطنين تعبئة خزاناتهم انتظاراً لدخول الأسعار الجديدة حيز التنفيذ، فاجتمع تراجع العرض المؤقت مع تدافع الطلب في اللحظة نفسها.
يضاف إلى ذلك “فجوة العملة” فأصحاب المحطات لديهم مشكلة هيكلية أعمق من التسعير نفسه، فبينما تتعامل الجهات الرسمية بالليرة السورية، تبقى تكاليف كثير من أصحاب المحطات وأرصدتهم مرتبطة بالدولار المجمّد في المصارف، ما يخلق عدم توافق بين مصادر التمويل واحتياجات التشغيل اليومي، ويضعف قدرتهم على ضخ الكميات دون ضمانات تعوّض فروقات الأسعار المحتملة.
المشكلة البنيوية: إنتاج لا يكفي
خلف الاختناق اليومي تكمن مشكلة أعمق في قطاع المحروقات السوري بعد سنوات الحرب، هذا ما يؤكده المهندس نزار العلي خبير الطاقة في تصريحات لـ”963+” مستشهداً بتقرير “البنك الدولي” الذي أشار إلى أن الحكومة استعادت في شباط 2026 السيطرة على مناطق نفطية وغازية رئيسية، ما رفع حصتها من الإنتاج الوطني من نحو 20% إلى 88%، لكن هذه السيطرة لا تعني اكتفاءً فورياً، لافتاً إلى تصريح رئيس الشركة السورية للبترول في كانون الثاني أن إنتاج الحقول كان أقل من 100 ألف برميل يومياً مقارنة بنحو 400 ألف برميل قبل عام 2011، وأن حقل العمر، أحد أكبر الحقول، كان ينتج 5 آلاف برميل فقط بعدما بلغت طاقته سابقاً 50 ألف برميل يومياً.
ويحذر العلي أنه في ظل هذا الإنتاج المحدود، تبقى سوريا معتمدة جزئياً على الاستيراد والنقل البحري، في وقت ارتفعت فيه أسعار الطاقة العالمية بنسبة 24% خلال 2026 مع التوترات الجارية في الشرق الأوسط، وأي بلد بهذا المستوى من الاعتماد على الخارج لا يملك عزل سوقه المحلي عن أي اضطراب في الأسعار أو الشحن أو حتى الشائعات.
ما الذي يحسم الأزمة فعلياً؟
يجيب العلي بأن الوزارة أعلنت عن خطة إصلاح تتضمن أتمتة منظومة توزيع المشتقات وإدارة المخزون في محطات الوقود، بهدف الحد من تكرار هذه الاختناقات عند أي مراجعة مقبلة للأسعار، لكن ثلاثة عوامل ستبقى خارج نطاق أي حل إداري قصير الأجل، وهي مستوى الإنتاج المحلي الفعلي، واستقرار آلية التسعير وقابليتها للتنبؤ من قبل أصحاب المحطات، وفجوة التمويل بالعملة الصعبة التي يعمل ضمنها القطاع الخاص للمحروقات.
ويختم العلي أن ضخّ 7 ملايين لتر في يوم واحد قد يُنهي طابوراً بعينه، لكنه لا يعالج السبب الذي يجعل كل مراجعة سعرية مقبلة مناسبة جديدة لأزمة ازدحام مشابهة، ما لم تُبنَ آلية تسعير وتمويل تحظى بثقة أصحاب المحطات والمواطنين على حد سواء.










